هل يراجع برادة قرار تسقيف سن التوظيف بعد الجدل الواسع؟
يتجه النقاش حول سياسات التوظيف في قطاع التعليم بالمغرب نحو منحى جديد، بعدما لمح وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، إلى إمكانية مراجعة قرار تحديد سن الولوج إلى مهنة التعليم في 30 سنة، وهو القرار الذي أثار منذ اعتماده موجة واسعة من الجدل والانتقادات داخل الأوساط السياسية والنقابية والطلابية.
فرغم دفاع الوزير عن خلفيات القرار ومبرراته، لم يُغلق الباب أمام احتمال تعديله مستقبلاً، في إشارة إلى استعداد الحكومة للاستماع إلى مختلف وجهات النظر.
وأوضح برادة، الذي كان يتحدث خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، اليوم الإثنين، أن وزارته تتابع عن قرب النقاش الدائر حول الموضوع، وتدرس عدداً من السيناريوهات المطروحة لمعالجة الإشكالات التي أفرزها القرار قبل سنوات.
ورغم هذه الإشارة إلى احتمال المراجعة، تمسك برادة بجوهر القرار باعتباره جزءاً من رؤية إصلاحية شاملة تهدف إلى تحديث مدخلات منظومة التعليم، عبر استقطاب كفاءات شابة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع.
وشدد الوزير على أن الرفع من جاذبية مهنة التعليم يبدأ من مسار مهني واضح وطويل الأمد، يمنح فرصاً أكبر للتكوين المستمر والتطور المهني، مؤكداً أن الهدف من تسقيف السن “ليس الإقصاء، بل تحقيق الانسجام بين متطلبات الإصلاح وطموحات الأجيال الجديدة من المدرسين”.
ولإسناد موقفه، قدّم الوزير معطيات رقمية قال إنها تعكس نجاح التجربة حتى الآن، موضحاً أن آخر مباراة نظمتها الوزارة شهدت مشاركة حوالي 120 ألف مترشح ومترشحة، تم قبول 14 ألفاً فقط منهم، وأن 80 في المئة من الناجحين تقل أعمارهم عن 25 سنة، فيما لا تتجاوز نسبة من يبلغون 29 سنة 4 في المئة، إضافة إلى أن ثلاثة أرباع المقبولين حصلوا على “ميزات جيدة” في البكالوريا والإجازة، وهو ما يعكس، حسب قوله، مستوى عالياً من الكفاءة لدى الفئة الشابة.
وبينما يواجه الوزير انتقادات حادة من المعارضة والنقابات التي تعتبر القرار “إقصائياً” و”مخالفاً لمبدأ تكافؤ الفرص”، شدد برادة على أن المقاربة المعتمدة تنطلق من منطق الإصلاح العميق لمنظومة التعليم، مؤكداً أن الوزارة لا تمانع في مراجعة القرار إذا أثبتت المعطيات الموضوعية ومشاورات الشركاء ضرورة ذلك.
وأبرز أن الهدف النهائي يظل هو الرفع من جودة التعليم وتفعيل النهضة التربوية المنشودة وفق خارطة الطريق 2022-2026، التي تضع الكفاءة والاستحقاق في صلب الإصلاح.
من جهة أخرى، تحدث وزير التربية الوطنية عن مبادرات جديدة تروم استثمار خبرات نساء ورجال التعليم المتقاعدين في تحسين الدعم المدرسي وسد الخصاص في الموارد البشرية ببعض التخصصات.
وأوضح أن عدداً من الأساتذة المتقاعدين شاركوا بالفعل في برامج الدعم، مستشهداً بما تحقق في جهة فاس مكناس كنموذج ناجح يمكن تعميمه على باقي الجهات.
وكشف برادة أن الوزارة تدرس حالياً إمكانية توسيع هذه التجربة لتشمل الاستعانة بالمتقاعدين في تأطير حصص التربية البدنية داخل التعليم الابتدائي، بمعدل ساعتين أسبوعياً، نظراً للنقص المسجل في هذا التخصص بعدة مؤسسات.
وأشار الوزير إلى أن “الخبرة والحرفة التي يملكها الأساتذة المتقاعدون لا يمكن التفريط فيها”، داعياً إلى الاستفادة من تراكماتهم المهنية في مجالات الدعم التربوي والتكوين المستمر، باعتبارهم رصيداً بشرياً مهماً يجب استثماره لخدمة المدرسة العمومية.
ورغم حدة النقاش حول تسقيف سن التوظيف، يبدو أن الوزير محمد سعد برادة يسعى إلى إيجاد توازن بين ضرورات الإصلاح ومتطلبات العدالة الاجتماعية، عبر إبقاء الباب مفتوحاً أمام التقييم والمراجعة، في وقت تتطلع فيه الأسر المغربية إلى تعليم عمومي أكثر جودة، قائم على الكفاءة والإنصاف والاستمرارية.