كيف تراهن الدار البيضاء على مشروع ضخم لتحريك التنمية وخلق فرص الشغل؟
تواصل مدينة الدار البيضاء خطواتها نحو تحقيق تنمية حضرية متوازنة، بعد أن صادق مجلس الجماعة خلال دورته الأخيرة على دفتر التحملات الخاص بطلب إبداء الاهتمام لإنشاء القطب الحضري الجديد "الوحدة الإفريقية"، وهو مشروع من الجيل الجديد يمتد على مساحة تناهز 15 هكتارًا في قلب مقاطعة ابن مسيك، بين شارع الوحدة الإفريقية وشارع عبد الله الصنهاجي.
هذا المشروع الطموح، الذي أطلق عليه أيضًا اسم "Al Wahda Al Ifriquia"، يمثل واحدًا من أهم المشاريع المهيكلة في الجهة الغربية للدار البيضاء، ويُنتظر أن يساهم في إحداث دينامية اقتصادية واجتماعية قوية في المنطقة، بما يعزز جاذبية العاصمة الاقتصادية ويعيد التوازن بين أقطابها المختلفة.
يهدف المشروع، وفق دفتر التحملات المصادق عليه، إلى خلق بيئة حضرية متكاملة تحتضن أنشطة إنتاجية وخدماتية عبر ثماني وحدات اقتصادية من شأنها أن توفر أزيد من 20 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، مع إرساء نموذج عمراني حديث يزاوج بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
ويأتي هذا التوجه في إطار الرؤية الاستراتيجية لجماعة الدار البيضاء، الرامية إلى تعزيز التنمية المحلية وتحسين جودة الحياة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية مثل ابن مسيك وسيدي عثمان والفداء.
ويقع موقع المشروع في منطقة حضرية مكتظة وشديدة الحيوية، عند تقاطع ثلاثة مقاطعات كبرى، ما يمنحه موقعًا استراتيجيًا من حيث الاتصال بشبكات النقل والمواصلات. ويحده من الجنوب شارع الوحدة الإفريقية ومن الشرق شارع عبد الله الصنهاجي، بينما يتصل مباشرة بالطريق المدارية الحضرية A1 وبشارع محمد السادس، إضافة إلى قربه من محطة الخط الثالث للترامواي وخطوط الحافلات الجديدة L011 وL079، ما يضمن سهولة الوصول إليه من مختلف جهات المدينة.
هذا الموقع المتميز يجعل من القطب الحضري الجديد نقطة وصل بين الأحياء الشرقية والغربية للدار البيضاء، ومركزًا حيويًا قادرًا على استقطاب الاستثمارات والخدمات المبتكرة.
وتبرز الوثائق التقنية للمشروع التي توصلت بها "الجريدة 24" تفاصيل دقيقة بشأن مراحل تنفيذه، حيث من المقرر أن ينطلق طلب إبداء الاهتمام في نونبر ودجنبر 2025 عبر مرحلة ما قبل الانتقاء، تليها عملية اختيار المطورين العقاريين في يناير وفبراير 2026 بناءً على عروض تقنية ومالية.
وتشترط الجماعة على المستثمرين المرشحين امتلاك القدرات المالية والبشرية والتقنية الكافية لإنجاز المشروع في أجله المحدد، كما تحتفظ بحقها في تعديل بنود دفتر التحملات متى اقتضت الضرورة، في إطار احترام مبدأ الشفافية والمنافسة العادلة.
أما بخصوص التزامات المنعشين العقاريين، فقد نصت الوثائق الرسمية على أن المطورين الذين سيقع عليهم الاختيار ملزمون ببدء أشغال التهيئة والبناء بعد الحصول على جميع التراخيص القانونية، وبإنهاء الأشغال في أجل أقصاه 48 شهرًا من توقيع عقد البيع النهائي.
وحسب ما توصلت به الجريدة 24، فإنه سيتم تنفيذ المشروع وفق دفتر الشروط التقنية الخاص بـ"الوحدة الإفريقية"، الذي يحدد بدقة المعايير المعمارية والبيئية الواجب احترامها.
ويمنع أي انطلاق للأشغال دون موافقة مسبقة من المصالح المختصة، مع الالتزام بتأهيل الطرق الداخلية وشبكات الكهرباء والماء والصرف الصحي والبنيات التحتية الأساسية قبل التسليم.
ويضم المشروع مكونات عمرانية وخدماتية متعددة، حيث سيتوسطه فضاء مركزي على شكل “أغورا” تحيط به وحدات تجارية ومكتبية وحدائق عامة، في تصميم يراعي البعد الجمالي والوظيفي في آن واحد. وسيتم اعتماد مبدأ “المدينة بدون سيارات” داخل القطب، من خلال تخصيص مواقف تحت أرضية فقط، مع إنشاء ممشى عصري بثلاثة مسارات مخصصة للمشاة والدراجات والجري، مزود بإضاءة ذكية وأشجار ظل ومقاعد استراحة، ليشكل متنفسًا حضريًا حديثًا يعكس رؤية جديدة للتخطيط المستدام.
كما يسمح المشروع ببناء مبانٍ يصل ارتفاعها إلى 14 طابقًا، مع معدل استغلال عمراني لا يتجاوز 29.5%، بينما تغطي المساحات الخضراء والممرات العامة أكثر من 39 ألف متر مربع، في احترام للمعايير البيئية الدولية.
ولا يقتصر المشروع على بعده الاقتصادي، بل يتضمن أيضًا تجهيزات اجتماعية وتربوية ورياضية ودينية، مثل مدرسة “الشيم الحمراء” وثانوية “ابن مسيك” ومركب رياضي يمتد على مساحة 2.2 هكتار، ومسجد “لالة عائشة”، فضلاً عن فضاءات عمومية متعددة الاستخدام.
وستمنح هذه المرافق دفعة قوية للحياة المجتمعية في المنطقة، بما يسهم في تحسين جودة العيش وتعزيز الاندماج الاجتماعي داخل النسيج الحضري الجديد.
وتؤكد جماعة الدار البيضاء من خلال هذا المشروع التزامها بترسيخ العدالة المجالية وتوزيع فرص التنمية بشكل متوازن بين مختلف مناطق المدينة، إذ يأتي القطب الحضري “الوحدة الإفريقية” ليرسخ رؤية المدينة نحو التحديث المستدام والمجالات الحضرية المتعددة المراكز.
كما تمت الإشادة، خلال الدورة التي تمت فيها المصادقة على دفتر التحملات، بالدور الفاعل للسيد والي الجهة على دعمه ورؤيته المتبصرة، وبجهود رئيسة مجلس الجماعة في متابعة المشاريع التنموية الكبرى، إضافة إلى انخراط رئيس مقاطعة ابن مسيك في الدفع بالمبادرات التي تخدم المصلحة العامة وتدعم التنمية المحلية.
وفي انتظار مرحلة إطلاق الأشغال الميدانية، يُنظر إلى مشروع “الوحدة الإفريقية” باعتباره نقطة تحول حقيقية في مسار إعادة هيكلة الأحياء الغربية للدار البيضاء، وخطوة جديدة نحو بناء مدينة ذكية قادرة على استيعاب النمو الديموغرافي والاقتصادي المستقبلي.