بين السخرية والرسائل الخفية.. كلمة وهبي تفتح باب التساؤلات حول تماسك الأغلبية
تعيش الساحة السياسية المغربية على إيقاع جدل واسع بعد تصريحات عبد اللطيف وهبي، وزير العدل والأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، التي أثارت موجة من التساؤلات حول مستقبل تماسك الأغلبية الحكومية.
فوهبي، الذي لم يتردد في إطلاق تصريحات ذات حمولة سياسية قوية، قال بنبرة ساخرة: “يظهر أني الوحيد من بقي في الأغلبية... الكل في المعارضة”.
عبارة لخصت، بحدة غير معتادة، حجم التوتر الذي بدأ يتسلل إلى صفوف التحالف الحاكم في ظرف دقيق تتقاطع فيه الأزمة الاجتماعية مع تصاعد الحراك الشبابي المعروف بـ“جيل زد”.
وتأتي هذه التطورات في سياق وطني مشحون، تتزايد فيه الدعوات إلى إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، في وقت تواجه فيه الحكومة انتقادات حادة بسبب ما يعتبره مواطنون بطئاً في الاستجابة للمطالب الاجتماعية.
وبقدر ما بدت تصريحات وهبي عفوية، فإنها حملت، في نظر مراقبين، إشارات واضحة إلى تململ داخلي بين مكونات الأغلبية الثلاثية التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار، وتضم إلى جانبه كلًّا من الأصالة والمعاصرة والاستقلال.
ورغم محاولات التهدئة التي قادها الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، الذي شدد في حوار تلفزيوني على أن “الأغلبية منسجمة وتعمل بروح الفريق الواحد”، فإن ما يجري داخل أروقة التحالف يعكس عكس ذلك. فالتباين في المواقف بات واضحًا من خلال الخرجات الإعلامية لعدد من الوزراء والقيادات الحزبية، والتي اتسمت في كثير من الأحيان بنبرة تمايز عن الموقف الحكومي الرسمي.
أبرز مثال على هذا التباين ما صدر عن نزار بركة، وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب الاستقلال، خلال مشاركته في أحد البرامج التلفزيونية، حين أكد أنه “يتحدث بصفته الحزبية لا الحكومية”.
هذه العبارة فتحت الباب واسعًا أمام تأويلات متعددة، خاصة في ظل تصاعد الاحتجاجات الشبابية، واعتُبرت من طرف البعض محاولة لتخفيف الضغط الشعبي عن الحزب عبر النأي بالنفس عن القرارات الحكومية.
وفي الاتجاه ذاته، جاءت تصريحات نجوى ككوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، حين قالت إن “الأغلبية الحكومية شيء، والحكومة شيء آخر”، وهي جملة فسّرها العديد من المراقبين على أنها إشارة إلى أزمة ثقة بين مكونات التحالف الثلاثي.
وجاءت التباينات السياسية داخل الحكومة متزامنة مع موجة احتجاجات يقودها شباب من جيل “زد”، انطلقت من منصات التواصل الاجتماعي قبل أن تمتد إلى الشارع في عدد من المدن المغربية الكبرى.
هذه التحركات، التي اتسمت في معظمها بالطابع السلمي، رفعت شعارات تطالب بالعدالة الاجتماعية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين الأوضاع المعيشية.
غير أن بعض الوقفات شهدت تجاوزات محدودة وأعمال تخريب في مدن مثل إنزكان وسلا وآيت اعميرة، ما دفع السلطات إلى التدخل السريع لإعادة الهدوء، مع تأكيدها في الوقت نفسه على احترامها لحق التظاهر السلمي في إطار القانون.
ويرى عدد من المهتمين بالشأن السياسي أن استمرار التباين داخل الأغلبية البرلمانية في ظل هذه الظروف قد يؤثر على قدرة الحكومة في إدارة المرحلة الحساسة التي تمر منها البلاد، إذ إن الخطاب السياسي المتضارب يضعف الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
ويذهب البعض إلى أن مكونات الأغلبية تعيش ما يشبه “مرحلة مراجعة داخلية”، حيث تحاول بعض الأحزاب إعادة تموقعها استعدادًا للاستحقاقات المقبلة، دون أن تتحمل كلفة القرارات الحكومية المثيرة للجدل.
في المقابل، تؤكد الحكومة، على لسان ناطقها الرسمي، أنها تواصل عملها بشكل طبيعي وأن الاجتماعات بين مكوناتها لم تنقطع.
ويشير بايتاس إلى أن هناك تنسيقًا دائمًا بين أحزاب التحالف لتقييم الوضع الاجتماعي ومتابعة مطالب الشارع، مضيفًا أن “الحكومة منفتحة على الحوار ومستعدة لاتخاذ إجراءات عملية للتجاوب مع تطلعات المواطنين”.
ومع ذلك، تبرز بين الحين والآخر مؤشرات إضافية على وجود تصدعات خفية، من أبرزها ما حدث داخل البرلمان مؤخراً عندما أعلن النائب محمد التويمي بنجلون، المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، استقالته بشكل مفاجئ أثناء جلسة عمومية، قبل أن يتراجع عنها لاحقًا.
خطوة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها رسالة احتجاج داخلية تعبّر عن امتعاض من طريقة تدبير الشأن السياسي داخل الأغلبية.
وتتزامن هذه الأحداث مع تصاعد النقاش العمومي حول مفهوم “المسؤولية السياسية الجماعية”، حيث يرى كثير من المتابعين أن الوزراء المنتمين إلى أحزاب الأغلبية لا يمكنهم التنصل من قرارات الحكومة عندما تشتد الانتقادات، ثم العودة إلى الصف الحكومي عند الحديث عن الإنجازات.