شح الموارد المالية يضع مقاطعات الدار البيضاء أمام أزمة تدبير حقيقية
تشهد مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة، نقاشاً متزايداً حول الوضع المالي والإداري لبعض مقاطعاتها، التي تعاني من “عجز مزمن” في تغطية نفقات النظافة وصيانة المرافق العمومية، في وقت تتصاعد فيه مطالب الساكنة بتحسين جودة الخدمات الأساسية، لا سيما في الأحياء الهامشية والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
هذا الوضع، الذي يتجلى بوضوح في ضعف تدبير بعض القطاعات الحيوية، بات يثير تساؤلات حول عدالة توزيع الموارد بين مختلف مقاطعات المدينة، ومدى قدرة الجماعة على ضمان توازن تنموي حقيقي يراعي خصوصية كل منطقة.
بحسب معطيات حصلت عليها "الجريدة 24" من مصادرها ، فإن عدداً من رؤساء مجالس المقاطعات، خلال الاجتماعات الأخيرة التي جمعتهم بعمدة المدينة نبيلة الرميلي، أثاروا موضوع ضعف الإمكانيات المالية المخصصة لهم، مطالبين برفع المنحة السنوية الموجهة لتسيير الشؤون المحلية.
وأوضحت المصادر ذاتها أن مقاطعات مثل مولاي رشيد، والحي الحسني، وسيدي مومن، تواجه تحديات متزايدة في مجالات النظافة، والتعمير، والإنارة العمومية، وصيانة المرافق الأساسية، بسبب النمو السكاني السريع وامتداد رقعة العمران دون مواكبة كافية من حيث التجهيزات والخدمات.
وطالب المنتخبون، خلال الاجتماعات ذاتها، بضرورة مراجعة طريقة توزيع المنح بين المقاطعات، مؤكدين على أهمية اعتماد معايير موضوعية تأخذ بعين الاعتبار عدد السكان، والمساحة الجغرافية، ومستوى البنيات التحتية، بدل الاقتصار على مقاربة موحدة لا تعكس الواقع الميداني لكل منطقة.
وأشاروا إلى أن الإنصاف في توزيع الموارد من شأنه أن يضمن تدبيراً أكثر فعالية وشفافية، ويساهم في تحسين الخدمات اليومية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
في المقابل، تزايدت في الأشهر الأخيرة الأصوات المطالبة بتحقيق العدالة المجالية بين مختلف مقاطعات الدار البيضاء، خاصة من حيث حجم الاستثمارات والمشاريع المبرمجة.
فبينما تعرف بعض المقاطعات مشاريع تنموية متتالية في مجالات التهيئة والبنيات التحتية، لا تزال أخرى تعاني تأخراً ملحوظاً في إطلاق مشاريع مهيكلة أو حتى في صيانة المرافق القائمة.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن هذا التفاوت يكرس الفوارق المجالية داخل المدينة، ويؤثر سلباً على صورة الدار البيضاء كقطب اقتصادي وإداري من المفترض أن يكون نموذجاً في الحكامة المحلية.
عدد من المستشارين الجماعيين والفاعلين المحليين عبّروا مرارا خلال دورات المجلس، عن استيائهم مما وصفوه بـ"التوزيع غير المتكافئ" للموارد والمشاريع بين المقاطعات، معتبرين أن بعض القرارات الجماعية ما تزال خاضعة لمنطق النفوذ والمصالح الضيقة، على حساب مقاربة شمولية تضمن التنمية المتوازنة.
وأكد هؤلاء أن غياب تنسيق حقيقي بين الجماعة المركزية والمقاطعات، إلى جانب ضعف الاستماع إلى حاجيات الساكنة المحلية، يعمّق الشعور بالتهميش في بعض المناطق التي تعاني من نقص حاد في التجهيزات الأساسية.
وتؤكد هذه المعطيات الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في منظومة تدبير الشأن المحلي بالدار البيضاء، من خلال تعزيز اللامركزية المالية والإدارية، وتمكين المقاطعات من موارد كافية لتأدية مهامها على الوجه المطلوب.
كما يطالب الفاعلون المحليون بضرورة تبني مقاربة تشاركية أكثر جرأة، تضع المواطن في صلب أولويات القرار الجماعي، وتضمن عدالة مجالية حقيقية داخل المدينة التي تعد القلب النابض للاقتصاد الوطني، لكنها ما تزال تواجه تحديات بنيوية تستدعي إصلاحات جذرية في طريقة تدبيرها.