الكاميرات تراقب والمخالفات ترصد.. الدار البيضاء تراهن على الرقابة الذكية لحل أزمة النظافة

الكاتب : انس شريد

17 October 2025 - 07:30
الخط :

في تحول لافت يعكس تغييراً جوهرياً في طريقة تدبير الشأن البيئي داخل المدن الكبرى، تتجه جماعة الدار البيضاء نحو إطلاق تجربة غير مسبوقة على الصعيد الوطني، تجمع بين التكنولوجيا الحديثة والرقابة الميدانية المباشرة لضمان نظافة المدينة وتحسين جودة الحياة داخلها.

وتقترب العاصمة الاقتصادية للمملكة، من الدخول لمرحلة جديدة في مسار تحديث قطاع النظافة، عبر تعميم نظام رقمي متطور يضم أكثر من 1300 كاميرا مراقبة تغطي مختلف مقاطعات المدينة، وتتيح تتبع المخالفات البيئية في الزمن الحقيقي، وتحديد المسؤوليات بدقة سواء تعلّق الأمر بالمواطنين أو بالمصالح المفوضة بجمع النفايات.

وتندرج هذه الخطوة، حسب مصادر "الجريدة 24"، ضمن رؤية شمولية تروم تحويل الدار البيضاء إلى مدينة ذكية تعتمد الرقمنة كآلية أساسية في تسيير مرافقها العمومية.

وحسب ذات المصادر، أن الكاميرات التي ستتبث في الشوارع والأحياء لا تقتصر مهمتها على تتبع سير الشاحنات أو مراقبة مدى التزام الشركات بجداول الجمع، بل تشمل أيضاً رصد النقاط السوداء والتدخل السريع لمعالجتها، في إطار منظومة رقمية مترابطة تسعى إلى جعل قطاع النظافة أكثر شفافية وفعالية.

ويرى المتتبعون للشأن المحلي أن هذا التحول الرقمي لن يكون مجرد إجراء تقني، بل هو مقدمة لتغيير أعمق في علاقة المواطن ببيئته، إذ ستسهم الكاميرات في تعزيز الشعور بالمسؤولية الجماعية، والحد من السلوكيات المخالفة كالرمي العشوائي للنفايات أو التخريب المتعمد للحاويات.

كما من شأن هذه الآلية أن تساهم في تحسين جمالية المدينة وصورتها لدى الزوار والمستثمرين، لاسيما وأن الدار البيضاء تُعتبر واجهة المغرب الاقتصادية ومركزه المالي والصناعي الأبرز.

وفي موازاة هذا المسار الرقمي، تستعد جماعة الدار البيضاء لإطلاق تجربة جديدة على المستوى الوطني تتمثل في إحداث “شرطة النظافة”، وهي مبادرة تهدف إلى تعزيز المراقبة الميدانية وزجر المخالفات البيئية بطريقة قانونية ومنظمة.

هذه الشرطة، حسب مصادر الجريدة 24، سترى النور في بداية سنة 2026، ستتكوّن من موظفين يتم اختيارهم من مختلف مقاطعات المدينة، سيتولون مهمة مراقبة الفضاءات العامة وضبط السلوكيات غير المسؤولة التي تضر بالنظام البيئي الحضري.

وسيتلقى عناصرها تكويناً خاصاً في كيفية التعامل مع المواطنين وتحرير المحاضر، بما يضمن تطبيق القانون في إطار من الانضباط والاحترام المتبادل.

المبادرة، التي يجري إعداد إطارها التنظيمي والقانوني في اجتماع مرتقب يجمع والي جهة الدار البيضاء–سطات محمد امهيدية، ورئيسة المجلس الجماعي نبيلة الرميلي، ومسؤولي شركة “كازا بيئة”، تأتي استجابة لتطلعات الساكنة نحو مدينة نظيفة ومتحضّرة، وتعبّر عن إرادة سياسية واضحة في جعل النظافة أولوية ضمن مسار تأهيل العاصمة الاقتصادية.

كما تمثل نقلة نوعية في فلسفة تدبير الشأن المحلي، من منطق الحملات الظرفية المحدودة إلى منطق المراقبة المستمرة والردع الميداني للمخالفات، بما يضمن احترام القانون والحد من الممارسات المضرّة بالصحة العامة والمظهر الجمالي للمدينة.

وتُظهر المؤشرات الأولية أن المجلس الجماعي يسعى إلى إشراك المواطن في هذه العملية عبر ترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة والانضباط الحضري.

وفي سياق هذه الدينامية، شهدت مدينة الدار البيضاء توقيع اتفاقية متعددة الأطراف خلال شهر غشت الماضي، تروم إحداث نقلة نوعية في خدمات النظافة، وتؤسس لمشروع متكامل لإنشاء مركز طمر وتثمين النفايات المنزلية والمماثلة لها بجهة الدار البيضاء–سطات.

الاتفاقية التي جمعت بين وزارة الداخلية، ولاية الجهة، مجلسها، عمالة مديونة، وجماعة الدار البيضاء، تحدد الإطار المالي والتقني للمشروع، الذي تُقدّر كلفته الإجمالية بنحو 3,198 مليون درهم، تشمل العقار والتجهيزات والبنيات التحتية.

ويهدف المشروع إلى إنشاء وحدة متكاملة لطمر النفايات وتثمينها، وإنتاج الوقود المشتق منها، وإحداث وحدات للفرز والتدوير، إلى جانب تطوير مساحات لإنتاج السماد العضوي.

كما يشمل تأهيل واستغلال المطرح الحالي بمديونة وتحسين ظروف العمل داخله، في انتظار إغلاقه النهائي بعد الانتهاء من أشغال المركز الجديد.

وتساهم وزارة الداخلية عبر صندوق التأهيل الاجتماعي والاقتصادي للجماعات الترابية بمبلغ يفوق 1.6 مليار درهم موزعة على تسع سنوات، فيما تساهم جماعة الدار البيضاء بحوالي 894 مليون درهم، منها 272 مليوناً مبرمجة على أربع سنوات ابتداءً من 2025.

ويؤكد مسؤولو الجماعة أن المشروع ينسجم مع الرؤية الوطنية للانتقال الإيكولوجي وتحسين جودة الحياة الحضرية، كما يشكل جزءاً من استعدادات المدينة لاحتضان تظاهرات رياضية كبرى مثل كأس أمم إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030.

فالنظافة، كما قال نائب عمدة المدينة أحمد أفيلال، في تصريحات صحفية لم تعد ترفاً حضرياً بل ضرورة اقتصادية وسياحية وصحية في آن واحد، لأنها تعكس صورة المدينة أمام العالم وتؤثر مباشرة في جاذبيتها الاستثمارية ومكانتها الإقليمية.

وبين الطموح الرقمي والمجهود الميداني، تبدو الدار البيضاء اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء نموذجها الحضري على أسس جديدة قوامها الذكاء البيئي والمساءلة المستمرة.

آخر الأخبار