برلمانيون ينتقدون "تشتت الجهود" ويدعون إلى تمويل مستدام لمحاربة الأمية
رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها المملكة المغربية خلال العقدين الأخيرين لتقليص معدلات الأمية، ما تزال الأرقام تكشف عن واقع مقلق يعكس حجم التحدي القائم أمام تحقيق التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية.
فبرغم البرامج الحكومية، والمبادرات المدنية، وحملات محو الأمية التي شملت مختلف جهات البلاد، لا يزال ملايين المغاربة يعيشون خارج دائرة المعرفة، محرومين من أبسط الحقوق المرتبطة بالتعلم والمشاركة في الحياة العامة.
هذا الموضوع كان محور نقاش واسع داخل البرلمان، اليوم الثلاثاء 21 أكتوبر، حيث خصص مجلس النواب جلسة لتقديم ومناقشة تقرير مجموعة العمل الموضوعاتية حول تقييم برامج محاربة الأمية.
وتحولت الجلسة إلى محطة لتشخيص الاختلالات، وتبادل الرؤى حول سبل إحداث نقلة نوعية في هذا الورش الوطني الذي ما يزال يراوح مكانه رغم تعدد الخطط والاستراتيجيات.
في هذا السياق، أكد النائب البرلماني محمد الحجيرة، باسم فريق الأصالة والمعاصرة، أن الأمية لم تعد قضية اجتماعية عادية، بل “حائطا يفصل بين مغرب الطموح ومغرب الواقع”.
وقال إن استمرار نسب الأمية المرتفعة يشكل “عائقا هيكليا يعطل التنمية ويقيد المشاركة المجتمعية ويضعف القدرة الإنتاجية للمجتمع”.
وأوضح أن أكثر من سبعة ملايين مواطن مغربي “لا يزالون محرومين من أبسط أدوات المعرفة”، معتبرا أن “كل مواطن أمي هو طاقة معطلة وحق مهضوم وفرصة ضائعة للتنمية”.
وانتقد الحجيرة ما وصفه بـ“تشتت الجهود وتعدد المتدخلين” في برامج محاربة الأمية، مؤكدا أن “ضعف الحكامة والاعتماد على منطق الكمّ بدل الكيف جعلا النتائج الميدانية دون المستوى المطلوب”.
ودعا إلى اعتماد رؤية وطنية شمولية ترتكز على ستة محاور أساسية، تشمل الحكامة والتنسيق، والتمويل المستدام، وتأهيل المكونين، وتحقيق العدالة المجالية، والرقمنة كأداة للتعلم، وربط محو الأمية بالتمكين الاقتصادي والمشاريع المنتجة.
من جهته، وجّه النائب البرلماني العياشي الفرفار، عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، انتقادات حادة لما سماه “تضخم التشخيص” في هذا الملف، مؤكدا أن “المشكل لم يعد في تحديد مكامن الخلل، بل في غياب التنفيذ الفعلي والإرادة القوية”.
وأبرز أن المؤطرين العاملين في برامج محو الأمية يعانون من هشاشة اجتماعية وضعف التعويضات التي لا تتجاوز 500 درهم عن كل مستفيد، داعيا إلى تحسين أوضاعهم وتحفيزهم ماديا ومعنويا.
وأشار الفرفار إلى أن الأمية ليست مجرد جهل بالقراءة والكتابة، بل هي حرمان من حق المشاركة في التنمية واتخاذ القرار، موضحا أن النجاح في القضاء عليها يمر عبر جعل التعليم إلزاميا وتعميم التمدرس في كل ربوع المملكة.
كما شدد على ضرورة الانتقال من مرحلة التقارير إلى مرحلة التنفيذ، وجعل محاربة الأمية جزءا من السياسات الاجتماعية الكبرى التي تخدم المواطن مباشرة.
أما النائب محمد هيشامي عن الفريق الحركي، فقد أكد أن الأمية “لا يمكن مواجهتها في زمن الثورة الرقمية بالوسائل التقليدية”، معتبرا أن “الفئات المحرومة من التعليم، خصوصا في القرى والمناطق الجبلية، لا تزال بعيدة عن التحولات التكنولوجية التي يعيشها العالم”.
وأوضح أن الجهود التي بذلت خلال السنوات الأخيرة مكنت من تقليص نسب الأمية، لكنها ظلت رهينة منطق الكمّ على حساب الكيف.
وأضاف أن تجاوز هذا الواقع يتطلب “إرادة سياسية حقيقية واستثمارا أكبر في الرأسمال البشري باعتباره الركيزة الأساسية لأي نهضة تنموية”.
في المقابل، أكد الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، أن الحكومة “تتعامل بجدية مع ملف محاربة الأمية وتعمل على تسريع وتيرة الإصلاح”، مشيرا إلى أن “التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي تفرض على الدولة طي هذا الملف بشكل نهائي”.
وأوضح أن “مخرجات تقرير اللجنة البرلمانية ستساعد على تحسين فعالية البرامج الجارية والمستقبلية”، مؤكدا أن “جلالة الملك محمد السادس يولي أهمية كبرى للتعليم باعتباره رافعة أساسية للتنمية الشاملة والمستدامة”.
وأوصى التقرير الذي قدمته المجموعة الموضوعاتية المؤقتة المكلفة بتقييم برامج محاربة الأمية بإعداد سياسة عمومية وطنية شاملة ومندمجة تشرك جميع الفاعلين، من قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية ومجتمع مدني وقطاع خاص، وتقوم على أهداف واضحة ومؤشرات دقيقة وآجال زمنية مضبوطة.
كما دعا إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإرساء آليات تتبع وتقييم فعالة على المستويين المركزي والترابي، وتعزيز دور وزارة التربية الوطنية في قيادة السياسات المرتبطة بمحاربة الأمية.
وشدد التقرير على ضرورة ربط برامج محو الأمية الوظيفية بسياسات التشغيل والتكوين المهني، لضمان انتقال المستفيدين نحو التمكين الاقتصادي، وإعادة النظر في الشراكات المبرمة مع جمعيات المجتمع المدني بما يضمن الكفاءة والشفافية.
كما أوصى بتحسين المقررات التعليمية لتتلاءم مع خصوصيات الفئات المستهدفة، وإدماج اللغة الأمازيغية والرقمنة في مختلف مراحل البرامج، إلى جانب الرفع من تعويضات المؤطرين وتمكينهم من تغطية اجتماعية وصحية تحفظ كرامتهم.
ومع أن الأصوات داخل البرلمان والحكومة تتفق على أهمية محاربة الأمية باعتبارها شرطا للتنمية وركيزة لبناء المواطن، فإن التحدي الأكبر يظل في ترجمة هذه الإرادة إلى واقع ملموس.