عرفت الدورة الثانية لشهر أكتوبر 2025 لجماعة الدار البيضاء أجواء سياسية مشحونة داخل مكونات التحالف الثلاثي المسير للمجلس، الذي يضم أحزاب الاستقلال والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار.
فقد برز خلال الجلسة التي انعقدت يوم الأربعاء 22 أكتوبر، نوع من التوتر السياسي بين الفرق المشكلة للأغلبية، بعد أن اختار حزب الاستقلال، المشارك في التحالف، توجيه انتقادات مباشرة إلى طريقة تدبير العمدة نبيلة الرميلي لشؤون المدينة.
وخلال هذه الدورة، التي حضرها عدد من المستشارين والفاعلين الجمعويين، احتل ملف الشباب وموقعهم داخل السياسات المحلية حيزاً مهماً من النقاش. فقد طرح المستشار عن حزب الاستقلال مصطفى عكيدي تساؤلات حادة حول ما سماه "غياب رؤية واضحة تجاه الشباب"، معتبراً أن المجلس لم يقدّم بعد أجوبة ملموسة لهذه الفئة التي تمثل المستقبل الحقيقي للمدينة.
وقال عكيدي في مداخلته إن "الدار البيضاء لا يمكن أن تتحدث عن التنمية دون إشراك جيل جديد من الفاعلين الشباب"، داعياً المجلس إلى فتح حوار مباشر مع ممثلي هذه الفئة وإدراج قضاياهم ضمن برامج عمل الجماعة.
وأضاف أن الفريق الاستقلالي لا يتهرّب من المسؤولية السياسية والأخلاقية في التحالف، لكنه يرى ضرورة القيام بـ"وقفة تقييم حقيقية" لتصحيح مسار التدبير المحلي.
ولم تقتصر انتقادات حزب الاستقلال على الجانب الشبابي، بل شملت أيضاً تقييم أداء المجلس في مجالات أخرى، أبرزها الرياضة والتنمية الاجتماعية.
فقد تساءل المستشار نفسه عن ضعف مساهمة مدينة الدار البيضاء في الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب الوطني لأقل من عشرين سنة، والذي تُوّج بالفوز بكأس العالم للشباب، قائلاً إن المدينة غالباً "تصفق للإنجازات دون أن تكون مساهمة فيها فعلاً".
وفي السياق نفسه، انتقد المتحدث ضعف الاستثمار في المجال الرياضي، رغم تخصيص اعتمادات مالية مهمة لكل من ناديي الرجاء والوداد الرياضيين، معتبراً أن "المنتوج الرياضي لا يرقى بعد إلى مستوى تطلعات البيضاويين".
كما أثار الانتباه إلى غياب العدالة في توزيع الدعم بين الجمعيات الرياضية والثقافية، وهو ما يكرّس، حسب قوله، تفاوتات بين الأحياء والمناطق داخل العاصمة الاقتصادية للمملكة.
أما في الشق الاجتماعي، فقد أشار الفريق الاستقلالي إلى أن ميزانية هذا القطاع لا تتجاوز 1 في المائة من مجموع ميزانية المدينة، معتبراً أن هذا الرقم "لا يعكس التوجهات الملكية ولا يتماشى مع السياسات الوطنية التي تجعل من البعد الاجتماعي أولوية مركزية".
كما انتقد تخصيص خمسة ملايين درهم فقط لبرنامج التمكين الاقتصادي للشباب، وأربعة ملايين درهم لدعم الجمعيات الاجتماعية، واصفاً هذه الأرقام بأنها "بعيدة عن حاجيات مدينة بحجم الدار البيضاء".
وفي ختام مداخلته، شدد عكيدي على أن هناك "خللاً في ترتيب الأولويات داخل المجلس"، داعياً إلى إعادة النظر في توزيع الموارد بما يضمن التوازن بين القطاعات الحيوية.
كما ذكّر بأن الدار البيضاء، التي وصفها الملك محمد السادس ذات مرة بأنها "مدينة التناقضات"، تحتاج إلى رؤية تدبيرية جديدة تراعي حجمها الاقتصادي والاجتماعي ودورها المحوري في التنمية الوطنية.
من جهته، دعا رئيس الفريق الاستقلالي مصطفى حيكر إلى تقييم شامل لبرنامج عمل الجماعة، مقترحاً إدخال تعديلات على مضامينه لتتلاءم مع الظرفية الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، ولتستجيب بشكل أفضل لانتظارات المواطنين.
وأكد حيكر أن هذا التقييم ينبغي أن يكون مسؤولاً وواقعياً بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.
وفي ردها على هذه الملاحظات، علّقت عمدة الدار البيضاء نبيلة الرميلي، المنتمية لحزب التجمع الوطني للأحرار، بالقول إن المجلس ملزم باحترام النفقات الإجبارية التي تفرضها القوانين التنظيمية، مشيرة إلى أن اختصاصات الجماعة محددة، وأن العمل يجب أن يركز على تحقيق التوازن بين هذه الاختصاصات وتطلعات السكان.
ورغم محاولة الرميلي تهدئة النقاش، فإن مداخلة الفريق الاستقلالي أعادت إلى الواجهة مظاهر التباين داخل التحالف الثلاثي الذي يسير مجلس المدينة منذ انتخابات 2021، في وقت تتعالى فيه أصوات داخل الأغلبية نفسها للمطالبة بإعادة ترتيب البيت الداخلي وتصحيح منهجية العمل الجماعي.
وفي ظل تزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها العاصمة الاقتصادية، يبدو أن التحالف القائم بين الأحرار والبام والاستقلال يمرّ باختبار حقيقي قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب منتصف الولاية الجماعية وارتفاع منسوب المطالب بتحسين الخدمات العمومية وتفعيل البرامج الاجتماعية والتنموية المتعثرة.