المعارضة تتهم مجلس الدار البيضاء بتكريس التمييز المجالي وخدمة هواجس انتخابية
شهد مجلس جماعة الدار البيضاء خلال انعقاد دورته الثانية لشهر أكتوبر 2025 أجواء مشحونة ومناقشات حادة، بعدما وجهت المعارضة انتقادات قوية إلى رئيسة المجلس، نبيلة الرميلي، متهمة إياها بـ“تعميق الفوارق المجالية” و“المحاباة في توزيع المشاريع التنموية” بين مقاطعات العاصمة الاقتصادية.
وخلال الجلسة التي خصصت لمناقشة مشروع ميزانية سنة 2026، احتدم الجدل بين الأغلبية والمعارضة حول ما وصفه عدد من المستشارين بـ“غياب العدالة المجالية” في تدبير البرامج التنموية وتوزيع الاعتمادات المالية، حيث اتهمت فرق المعارضة رئاسة المجلس بالتركيز على بعض المقاطعات دون غيرها، وتوظيف المشاريع لخدمة حسابات سياسية وانتخابية.
فريق العدالة والتنمية، الذي يقود المعارضة داخل المجلس، اعتبر أن الميزانية المقترحة تعكس “هواجس انتخابية واضحة”، وتغيب عنها الرؤية الشمولية التي تستجيب لاحتياجات سكان المدينة.
وقالت المستشارة عن الحزب، سميرة الرزاني، إن “الملاحظ أن بعض المقاطعات تنعم بمشاريع كبرى وتخصيصات مالية ضخمة، في حين تظل مقاطعات أخرى مهمشة، لم تلمس أي تحسن في بنيتها التحتية أو خدماتها الاجتماعية”.
وأضافت أن “تخصيص مبالغ ضخمة للصيانة الاعتيادية للطرق في سنة انتخابية يثير أكثر من تساؤل حول النوايا الحقيقية للمجلس”.
من جانبه، وجّه المستشار مصطفى لحيا انتقادًا مباشرًا إلى رئيسة المجلس نبيلة الرميلي، متهماً إياها بالإعداد لإطلاق طلبات عروض لإنجاز مشاريع طرق في مناطق محددة مثل الحي الحسني والمعارف وعين الشق وسيدي عثمان، وهذا لا يعقل مع تجاهل تام للمقاطعات المهمشة التي تعاني في صمت.
بدوره، أكد عبد الصمد حيكر، رئيس فريق العدالة والتنمية، أن المجلس لم يتفاعل بالشكل المطلوب مع دعوة الملك محمد السادس، في خطاب العرش الأخير، إلى إطلاق “جيل جديد من البرامج الترابية المندمجة”، معتبراً أن “الفرصة كانت سانحة لإعادة النظر في برنامج عمل الجماعة بطريقة تشاركية تُشرك الفاعلين المحليين والمجتمع المدني، لكن المجلس اختار الاستمرار في نفس النهج الانفرادي”.
ولم تقف الانتقادات عند المشاريع التنموية فقط، بل طالت أيضًا ملف دعم الجمعيات، حيث أشار حيكر إلى أن المجلس خصص دعماً مالياً غير مسبوق لجمعيات “ظهرت فجأة في المشهد”، بينما ظلت أخرى “محرومة لسنوات طويلة”.
وكشف أن “جمعية واحدة فقط ستحصل على ما يقارب 45 مليون درهم من الجماعة والجهة والعمالة، إضافة إلى 17 مليون درهم من وزارة الشباب لبناء مركب ثقافي”، متسائلاً عن “الجدوى من تحويل مشاريع ذات طابع ثقافي إلى مجالات مغلقة مملوكة للجماعة لتحقيق الأرباح، في حين كان من الأولى أن تبقى مفتوحة أمام المواطنين”.
في المقابل، نفت أعضاء الأغلبية كل الاتهامات الموجهة إليها، مؤكدة أن “توزيع المشاريع يتم بناءً على دراسات تقنية دقيقة تراعي الحاجيات الحقيقية لكل مقاطعة، لا على اعتبارات سياسية أو انتخابية”.
وأوضحت المصادر ذاتها أن المجلس “يشتغل وفق برنامج عمل جماعي واضح المعالم، تمت المصادقة عليه في وقت سابق، ويخضع لتتبع وتقييم دوري من قبل اللجان المختصة”، مضيفة أن الحديث عن “المحاباة” مجرد “مزايدات سياسية تعود إلى اقتراب موعد الانتخابات”.
ورغم محاولات التهدئة التي بذلتها رئاسة المجلس، فإن الجلسة ظلت مشتعلة إلى نهايتها، بعدما واصلت المعارضة التشكيك في نجاعة البرامج المعروضة، معتبرة أن ما يجري في الدار البيضاء “يمثل نموذجاً مصغراً لأزمة الحكامة المحلية التي تعرفها العديد من المدن المغربية”.
ومع احتدام الجدل حول العدالة المجالية وتوزيع المشاريع، يرى مراقبون أن هذه الأزمة تعكس عمق التوتر السياسي داخل أكبر جماعة ترابية في البلاد، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الجماعية المقبلة، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه الميداني.
وبينما تؤكد الرميلي أن مجلسها يسير بثبات نحو تنزيل رؤية تنموية منسجمة، ترد المعارضة بأن “الدار البيضاء تستحق ما هو أفضل من حسابات انتخابية ضيقة”، ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في اختبار مصداقية هذا المجلس وقدرته على تجاوز منطق الصراع نحو منطق الخدمة العمومية.
وكان المجلس الجماعي قد صادق بالأغلبية، اليوم الأربعاء، على مشروع الميزانية برسم السنة المالية 2026.
وأكدت عمدة الدار البيضاء، نبيلة الرميلي، مداخيل التسيير تقدر بـ5,2 مليار درهم، مسجلة ارتفاعا بنسبة 4 بالمئة مقارنة مع السنة السابقة، مشيرة إلى أن الفائض المتوقع سيبلغ 692,9 مليون درهم، في حين تقدر ميزانية التجهيز بـ782,9 مليون درهم.
وذكّرت بأن هذه البرمجة تندرج في إطار استمرارية الجهود المبذولة منذ سنة 2022، الرامية إلى تعبئة الموارد الذاتية للجماعة، من خلال توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين عملية التحصيل، وتثمين الرصيد العقاري الجماعي، وتعزيز آليات المراقبة.