خلفت الخطبة الموحدة التي عممتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قبل موعد الجمعة بأيام قليلة، وتم تنفيذها اليوم، حالة استياء واسعة داخل المساجد وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
مباشرة بعد أداء صلاة الجمعة، سجل "موقع الجريدة24" ردود فعل غاضبة ورافضة للمضامين التي اعتبرها كثيرون "باردة"، "غير مفهومة"، و"محملة بإشارات سياسية غير معهودة في خطاب الوعظ".
وبدت المفاجأة الأولى في نشر الخطبة قبل موعدها، وهو أمر اعتبره رواد التواصل الاجتماعي "من عجائب العصر"، لأنه يكشف، في نظرهم، عن رغبة مسبقة في تمرير خطاب معد سلفا لجميع الخطباء دون استثناء، بغض النظر عن سياقات المدن والجهات ونبض المصلين.
وانتقد العديد من المصلين والباحثين في الشؤون الدينية قياس التزام القوانين الشرعية بقوانين السير، وهو قياس وصفه معلقون بأنه ساذج ومضلل لأنه يسوي بين قوانين تنظيمية محكومة بالمصالح والمفاسد وبين التشريعات التي قد تحل ما حرم الله أو تحرم ما أحله.
واعتبر كثيرون أن هذا القياس تدليس على وعي الناس ومحاولة لتمرير فكرة خطيرة مفادها أن القانون الوضعي هو نفسه الشريعة وأن الالتزام به واجب ديني.
وتعمق الغضب أكثر حين تضمنت الخطبة فقرة تشرح أن القوانين المغربية ما هي إلا أحكام فقهية صيغت في قالب قانوني لحفظ الضروريات الخمس، وأن العبرة بالمضمون لا بالصيغ، وهي الفقرة التي رآها منتقدون أخطر ما ورد في الخطبة لأنها تحاول إلباس القانون الوضعي لبوس الشريعة وتقديمه للمصلين باعتباره امتدادا مباشرا لمقاصد الدين.
ودخل الشيخ الحسن بن علي الكتاني على خط الجدل بتدوينة وصف فيها الخطبة بأنها مجهولة الكاتب، وهذا في نظره يبطلها شرعا لأن علماء المالكية وخاصة في المغرب حرموا قراءة كتب يجهل مؤلفوها، فكيف بخطبة ملزمة لعشرات آلاف الخطباء دون معرفة صاحبها أو خلفيته العلمية.
واعتبر أن هذا الوضع يثير الشكوك حول النوايا والأهداف الكامنة خلف الصياغة.
وفي تدوينة مطولة أخرى، قال الكتاني إن الخطبة تتضمن مغالطات خطيرة، وإنها محاولة لتجميل قوانين لا تستمد أحكامها من الشريعة، موضحا أن المغرب ورث بعد الاستعمار قوانين غربية لا علاقة لها بالمذهب المالكي وأن الاستقلال ظل ناقصا ما دامت القوانين الفرنسية تحكم المغاربة، وأضاف أن الخطبة اليوم تحاول إقناع الناس بأن هذه القوانين هي عين الشريعة، وهو في نظره تحريف للمحكمات وتزييف لوعي المسلمين وإسباغ للشرعية على قوانين تعارض نصوص القرآن والسنة
ولم تتوقف الردود عند المضامين، بل انتقدت تدوينات عديدة اللغة المستعملة في الخطبة، لأنها تحمل مصطلحات فلسفية وأصولية ودستورية لا عهد للمصلين بها مثل "العقد الاجتماعي" و"المقاصد" و"الضروريات الخمس" و"فلسفة القانون" وجانب "الوجود والعدم"، وهي لغة رآها معلقون بعيدة عن خطاب المنبر وموجهة لفئة متخصصة لا لعامة الناس، مما دفعهم إلى طرح للتساؤل حول الجهة التي كتبت لها الخطبة وما هي الرسالة الحقيقية التي تريد المؤسسة الدينية إيصالها.
ورأى أصحاب هذه القراءات أن الخطبة تؤسس لمرحلة جديدة تهدف إلى تهيئة الرأي العام لقبول نموذج قانوني يتجاوز النصوص القطعية باسم المقاصد والمصلحة المرسلة، وأنها تحاول ربط طاعة القانون بطاعة الله بشكل واسع يدمج كل التشريعات القائمة دون تفريق بين ما هو تنظيمي وما هو مخالف للشريعة، واستدلوا بقوانين الزنا التي تسمح بإسقاط المتابعة بالتنازل، ورخص بيع الخمور التي يحميها القانون، والمعاملات الربوية التي تنظمها التشريعات المغربية.
وتساءلت تدوينات هل يمكن إدراج هذه الممارسات ضمن ما يسمى حفظ الضروريات الخمس كما ورد في الخطبة.
وتوسعت القراءات النقدية لتعتبر أن الخطبة لم تكن مجرد موعظة عادية، بل جزءا من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل المرجعية الدينية الرسمية عبر دمج القانون الوضعي في مفهوم الشريعة وتخفيف حساسية المتدينين تجاه التشريعات المخالفة للنصوص القطعية، وتقديم الخطاب الديني الرسمي باعتباره متصالحا مع علمنة المجال العام.