برنامج “فرصة” تحت المجهر.. بين ضغط الديون ودفاع الحكومة عن حصيلة الدعم
يعيش عدد من الشباب المستفيدين من برنامج “فرصة”، الذي أطلقته الحكومة سنة 2022 لدعم حاملي المشاريع الصغرى والمقاولين الذاتيين، على وقع أزمة متفاقمة باتت تثير مخاوف اجتماعية واقتصادية حقيقية، في ظل تعثر مشاريعهم وصعوبة الوفاء بالالتزامات المالية المترتبة عن القروض التي حصلوا عليها في إطار هذا البرنامج.
فبعد مرور أزيد من سنتين على انطلاق المبادرة الحكومية، فوجئ عشرات المستفيدين خلال الأسابيع الأخيرة بتوصلهم بإنذارات رسمية عن طريق مفوضين قضائيين، تخيرهم بين تسديد الأقساط المتأخرة للقروض أو مواجهة مساطر قانونية قد تصل إلى الحجز على الممتلكات والإكراه البدني. وهو ما حول حلم الاستثمار الذاتي، الذي روّج له البرنامج في بداياته، إلى مصدر قلق يومي لدى فئة واسعة من الشباب.
وتحولت هذه الوضعية إلى موضوع نقاش واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر عدد من المستفيدين عن معاناتهم مع تراكم الديون، سواء المرتبطة بالقروض البنكية، أو بتكاليف كراء المحلات التجارية، والرسوم الجبائية، ومستحقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في وقت لم تتمكن فيه مشاريعهم من تحقيق المداخيل الكافية لضمان الاستمرارية.
وبات العديد من هؤلاء الشباب يعيشون بين ضغط الديون وخطر الإفلاس، وسط تخوف متزايد من أن تتطور أوضاعهم إلى متابعات قضائية من شأنها تعميق هشاشتهم الاجتماعية، بدل تمكينهم من الاندماج الاقتصادي كما كان مأمولًا عند إطلاق البرنامج.
وفي سياق هذا الجدل، سبق لرشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن وجه سؤالًا كتابيًا إلى فاطمة الزهراء عمور، وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، حول ما وصفه بالأوضاع المقلقة التي يعيشها عدد من الشباب المتضررين من برنامج “فرصة”.
وأبرز حموني أن المبادرة، التي خُلقت لبث الأمل في نفوس آلاف الشباب حاملي المشاريع، تحولت بالنسبة لكثيرين إلى تجربة قاسية عنوانها الإحباط والمعاناة.
وأوضح البرلماني أن فريقه النيابي وقف على شهادات مباشرة لشباب من مدن وقرى متعددة، أكدوا أنهم استفادوا من التكوينات المقررة، ودخلوا غمار الاستثمار بتمويلات ذاتية أو بدعم عائلي، غير أنهم لم يتوصلوا بالدعم المالي الموعود، ما أدى إلى توقف مشاريعهم في مراحلها الأولى.
وأضاف أن فئة أخرى من المستفيدين الذين توصلوا بجزء من الدعم واجهوا صعوبات كبيرة بسبب غياب المواكبة التقنية والعملية بعد انطلاق المشاريع، وهو ما انتهى بفشل عدد منها وتوصل أصحابها بإنذارات قضائية من الأبناك بسبب التأخر في أداء الأقساط.
وأمام هذا الوضع، عبّر حموني عن قلقه من الفجوة الواضحة بين الأهداف المعلنة للبرنامج وواقع تنزيله على الأرض، متسائلًا عن الأسباب الكامنة وراء الفرق الكبير بين عدد الطلبات المقدمة للاستفادة وعدد المشاريع التي تم تمويلها فعليًا، وكذا عن مبررات حرمان شباب تم قبول مشاريعهم مبدئيًا من الدعم المالي، رغم شروعهم في الاستثمار اعتمادًا على وعود رسمية.
كما طرح تساؤلات حول جدوى التكوينات المقدمة إذا كانت تقتصر على الجانب النظري دون مواكبة ميدانية حقيقية تضمن استدامة المشاريع.
في المقابل، دافعت وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني عن برنامج “فرصة”، مؤكدة أنه مكّن من تمويل ومواكبة 20 ألف حامل مشروع خلال سنتي 2022 و2023، بغلاف مالي إجمالي بلغ 500 مليون درهم، مع تحقيق نسبة إنجاز فاقت الهدف المسطر.
وأوضحت الوزيرة فاطمة الزهراء عمور، في جواب كتابي على سؤال رشيد حموني، أن عدد المستفيدين بلغ 21.200 شخص، من بينهم 16.600 مشروع لا يزال نشطًا، فيما بلغت الكلفة المالية السنوية للبرنامج حوالي 1,6 مليار درهم، ما يعكس، حسب تعبيرها، حجم الإقبال ونجاعة آليات الدعم المعتمدة.
وأضافت أن البرنامج لا يقتصر على التمويل، بل يشمل التكوين والمواكبة، حيث استفاد أكثر من 50 ألف شخص من دورات تدريبية عبر منصة “Forsa Academy”، إلى جانب مواكبة تقنية تمتد لسنتين من طرف مؤسسات التمويل والمكاتب الجهوية.
وأبرزت أن المستفيدين حصلوا على قروض شرف بدون فوائد، مع تحمل الدولة لتكاليف الضمان وتأجيل تسديد القروض لمدة سنة، فضلاً عن فتح باب استقبال طلبات جديدة ابتداءً من يناير 2025.
كما أشارت إلى إمكانية استفادة المستفيدين السابقين من صيغ تمويل إضافية، في إطار اتفاقيات أبرمتها الوزارة مع عدد من الأبناك، بهدف تعزيز استدامة المشاريع وتوسيع أنشطتها. وخلصت إلى أن برنامج “فرصة” يندرج ضمن التوجيهات الملكية الرامية إلى دعم الشباب وتشجيع ريادة الأعمال، معتبرة أن نتائجه الحالية تؤكد دوره كرافعة لإحداث فرص الشغل وتحفيز الدينامية الاقتصادية والاجتماعية.
وبين رواية الشباب المتضرر ودفاع الحكومة عن البرنامج، يظل ملف “فرصة” مفتوحًا على نقاش واسع حول فعالية سياسات دعم المبادرة الذاتية، وحول الحاجة إلى مراجعة آليات التنفيذ والمواكبة، بما يضمن حماية الشباب من السقوط في فخ المديونية، وتحويل الطموح المقاولاتي إلى مشاريع مستدامة بدل أزمات اجتماعية جديدة.