تتواصل مؤشرات التقارب والانسجام في العلاقات المغربية-الأمريكية، في سياق دولي وإقليمي يتسم بتعقّد التوازنات الأمنية وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، حيث يبرز التعاون العسكري كأحد أعمدة الشراكة الاستراتيجية التي تجمع الرباط وواشنطن منذ عقود، ويكتسب في المرحلة الراهنة بعدا أكثر وضوحا من خلال صفقات التسليح وبرامج نقل المعدات الدفاعية.
وفي هذا الإطار، كشف تقرير حديث صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية، بتاريخ 16 دجنبر 2025، أن المغرب يندرج ضمن الدول الأكثر استفادة من برنامج نقل المعدات الدفاعية الفائضة المعروف بـExcess Defense Articles، وذلك خلال الفترة الممتدة ما بين 2020 و2024، وهو ما يعكس، وفق معطيات التقرير، مكانة المملكة كشريك موثوق في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية، خاصة على مستوى الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي وشمال إفريقيا.
ويفيد التقرير، الذي أعده مكتب القدرات الاستراتيجية التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، بأن اختيار المغرب، إلى جانب دول مثل اليونان وإسرائيل، تم بناء على تقييم دقيق لمدى انسجام طلبات هذه الدول مع الأولويات الأمنية للولايات المتحدة، سواء على الصعيد الوطني أو الإقليمي، مع التركيز على قدرة الدول المستفيدة على استيعاب المعدات المنقولة وتشغيلها وصيانتها، بما يخدم أهداف الاستقرار وتعزيز الشراكات العسكرية طويلة الأمد.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن الولايات المتحدة سلمت، منذ سنة 2019، معدات دفاعية فائضة بقيمة إجمالية تجاوزت 900 مليون دولار لفائدة شركائها عبر العالم، فيما استحوذ المغرب، إلى جانب اليونان وإسرائيل، على ما يقارب 40 في المائة من إجمالي عمليات نقل العتاد المعتمدة خلال الفترة ما بين 2020 و2024، ما يضع المملكة ضمن أكبر ثلاثة شركاء أجانب من حيث القيمة الجارية لعروض هذا البرنامج، بقيمة تتراوح بالنسبة للمغرب بين 139 و242 مليون دولار.
ولا يقتصر برنامج نقل المعدات الدفاعية الفائضة على منطق التخلص من عتاد لم تعد القوات المسلحة الأمريكية في حاجة إليه، بل يشكل، وفق التقرير، أداة استراتيجية لتعزيز قابلية التشغيل البيني بين الجيوش الحليفة والجيش الأمريكي، إذ يتم تقييم الطلبات المقدمة بناء على مدى مساهمتها في دعم الأهداف الاستراتيجية لواشنطن، بما في ذلك توحيد المعايير التقنية واللوجستية، وتسهيل التنسيق الميداني في حال العمليات المشتركة.
وبخصوص المغرب، أوضح التقرير أن السلطات الأمريكية درست طلبات الرباط في إطار هذا البرنامج انطلاقا من مدى دعمها لتعزيز التنسيق العملياتي والتقني بين القوات المسلحة الملكية ونظيرتها الأمريكية، غير أن الوثيقة لم تكشف تفاصيل دقيقة بشأن طبيعة أو نوعية المعدات العسكرية التي تم تحويلها إلى المملكة، مكتفية بالإشارة إلى الطابع الاستراتيجي لهذه العمليات.
ويُدار برنامج نقل المعدات الدفاعية الفائضة بتنسيق بين وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الخارجية، ويقوم على مبدأ “كما هي وحيث هي”، ما يعني أن الدولة المستفيدة تتحمل تكاليف النقل والإصلاح والتأهيل والصيانة وقطع الغيار والتدريب، ورغم أن هذه الصيغة تُفرغ مفهوم “المجانية” من مضمونه الحرفي، إلا أنها تظل أقل كلفة وأسرع من حيث الزمن مقارنة باقتناء منظومات جديدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمعدات لوجستية أو وسائل دعم ميداني متوافقة مع المعايير الأمريكية.
وفي السياق نفسه، أبرز التقرير أهمية مراقبة الاستخدام النهائي للمعدات المنقولة، وهي آلية تتابع ما إذا كانت هذه المعدات لا تزال قيد الاستخدام أو تم نقلها أو تفكيكها، حيث أدرج المغرب ضمن خمس دول خضعت لمراجعة معمقة في هذا الإطار، إلى جانب إسرائيل واليونان وكولومبيا والفلبين، وذلك في إطار الحرص الأمريكي على ضمان الاستخدام السليم للعتاد العسكري المنقول، رغم تسجيل بعض النواقص في معطيات الحالة النهائية.
ويأتي هذا التطور في سياق شراكة دفاعية مؤطرة باتفاقية استراتيجية وُقعت سنة 2020، وتمتد لعشر سنوات إلى غاية 2030، وتشكل خريطة طريق للتعاون الأمني والعسكري بين البلدين، بما يواكب طموحات المغرب في تحديث منظومته الدفاعية وتعزيز قدراته، في ظل بيئة إقليمية تعرف تصاعد التهديدات وتعدد مصادر عدم الاستقرار.
ولا يقتصر التعاون العسكري المغربي-الأمريكي على برنامج نقل المعدات الفائضة، إذ تشير المعطيات الرسمية إلى وجود ملفات نشطة للمبيعات العسكرية الحكومية لفائدة المغرب بقيمة تناهز 8.5 مليارات دولار، تشمل معدات متطورة وبرامج تدريب ودعما تقنيا، ما يعكس عمق الثقة المتبادلة بين المؤسستين العسكريتين.
كما يندرج هذا التعاون ضمن سياق أوسع تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تعزيز تحالفاتها السياسية والعسكرية في إفريقيا، خاصة في ظل تنامي الحضور الروسي في منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة، حيث يُنظر إلى المغرب كشريك محوري قادر على المساهمة في حفظ الاستقرار الإقليمي والتصدي للتهديدات العابرة للحدود، من إرهاب وهشاشة أمنية.
وفي المحصلة، لا يمكن اختزال إدراج المغرب ضمن كبار المستفيدين عالميا من برنامج المعدات الدفاعية الأمريكية الفائضة في مجرد نقل عتاد خارج الخدمة، بل يعكس خيارا استراتيجيا محسوبا يضع المملكة في قلب هندسة أمنية إقليمية تعيد واشنطن ترتيبها بهدوء، مستندة إلى شراكات موثوقة وقدرات عملياتية قابلة للاندماج في منظومة الدفاع الأمريكية، وهو ما يعزز موقع المغرب كفاعل أساسي في معادلات الأمن والاستقرار بشمال إفريقيا والفضاء الأطلسي.