جدل ملف التقاعد يتصاعد.. الحكومة تنتقد خطاب "التخويف" والنقابات تحذر
عاد ملف إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي بقوة، في ظل تصاعد التحذيرات من اختلالات بنيوية تهدد استدامة الصناديق وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه مئات الآلاف من المتقاعدين الحاليين والمستقبليين.
ويأتي هذا النقاش في سياق اجتماعي واقتصادي دقيق، يتسم بارتفاع كلفة المعيشة وتزايد الضغط على المالية العمومية، ما يجعل هذا الورش من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في الأجندة الحكومية.
وتتزامن عودة هذا الملف إلى الواجهة مع مطالب متجددة من المركزيات النقابية وفعاليات برلمانية ومكونات من المجتمع المدني، تدعو إلى التعجيل بإصلاح شامل وعادل يضمن ديمومة أنظمة التقاعد دون المساس بحقوق المنخرطين.
في هذا السياق، انتقدت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، ما وصفته بلغة “التخويف” و”التضخيم” التي تعتمدها بعض المركزيات النقابية في توصيف وضعية أنظمة التقاعد.
وشددت المسؤولة الحكومية على أن واقع هذه الصناديق بلغ مرحلة لم يعد من المقبول معها الاستمرار في المزايدات السياسية أو إنكار وجود أزمة حقيقية تهدد استمراريتها.
وأكدت الوزيرة أن الحكومة تتوفر على الإرادة السياسية لمباشرة هذا الورش، مبرزة أن آخر جولة من الحوار الاجتماعي المركزي أفضت إلى توافق مبدئي بين مختلف الشركاء الاجتماعيين حول ضرورة تحمل المسؤولية الجماعية في إصلاح أنظمة التقاعد.
وأوضحت أن رئيس الحكومة أعاد تفعيل اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد بعد سنوات من الجمود، وتم الاتفاق على تفويض الاشتغال التقني حول هذا الملف للجنة مختصة تضم مختلف المتدخلين.
وشددت فتاح على أن أي حل مرتقب لن يتم فرضه بشكل أحادي، مؤكدة التزام رئيس الحكومة بعدم اتخاذ أي قرار يهم صناديق التقاعد دون توافق واسع بين الفرقاء الاجتماعيين، بالنظر إلى أن هذا الملف يمس بشكل مباشر حقوق ومصالح ما يقارب خمسة ملايين مواطن مغربي. كما اعتبرت أن النقاش حول استدامة هذه الصناديق ينبغي أن يتم بعيدًا عن التهويل، مع الاعتماد على معطيات دقيقة وتشخيص موضوعي لكل نظام على حدة.
وفي هذا الإطار، كشفت الوزيرة عن شروع لجنة تقنية في عقد اجتماعات منتظمة بحضور ممثلي النقابات، من أجل دراسة وضعية كل صندوق تقاعد بشكل مفصل، وبالاستناد إلى أرقام ومعطيات شفافة يقدمها المديرون العامون لهذه الصناديق. وأكدت أن هذه الاجتماعات من شأنها توفير صورة واضحة عن الوضع المالي والتقني لكل نظام، وتوجيه مسار الإصلاح على أسس واقعية.
غير أن هذه التوضيحات لم تُنهِ الجدل داخل البرلمان، حيث واجه مستشارون برلمانيون الحكومة بانتقادات مباشرة، معتبرين أن الخطاب الرسمي يوحي إما بغياب رؤية واضحة لإصلاح أنظمة التقاعد، أو بوجود تصور “صادم” يتم تجنب الكشف عنه للرأي العام.
وطالب بعض البرلمانيين الحكومة بتوضيح خياراتها بشكل صريح، والتأكيد على ما إذا كانت ستعيد اعتماد نفس المقاربة التي طُبقت في إصلاحات سابقة، والتي شملت رفع سن التقاعد وتعديل سنوات الاشتراك ونسب الاقتطاع.
وفي المقابل، تصر النقابات، وعلى رأسها الاتحاد المغربي للشغل، على أن أي إصلاح للتقاعد يجب ألا يمر على حساب العمال أو يمس بصحتهم وسلامتهم الجسدية والنفسية.
وقد عبّر الأمين العام للاتحاد، الميلودي موخاريق، في مناسبات متعددة، عن رفضه القاطع لمقترحات رفع سن التقاعد بشكل إلزامي، معتبراً أن مطالبة الأجراء، خاصة في المهن الشاقة، بتمديد مسارهم المهني إلى سن متقدمة، يتعارض مع مبادئ العمل اللائق والعدالة الاجتماعية.
وأكد موخاريق أن حماية العامل داخل فضاء الشغل ليست امتيازًا، بل حق أساسي تلتزم الدولة بصونه، محذرًا من أن أي إصلاح لا يضع كرامة الأجير في صلب أولوياته، قد يؤدي إلى توسيع دائرة الاحتقان الاجتماعي.
كما شدد على أن أي تعديل محتمل في سن التقاعد يجب أن يكون اختياريًا، حتى لا يتحول الإصلاح إلى عبء إضافي يثقل كاهل الشغيلة.
كما بادرت الجبهة المغربية ضد قانوني الإضراب والتقاعد إلى مراسلة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، معلنة رفضها أي توجه نحو تعديل منظومة التقاعد على حساب الطبقة العاملة.
وفي لهجة نقدية مباشرة، شددت الجبهة على أن العمال لا يمكن اختزالهم في مجرد صندوق احتياطي يُستنزف كلما عجزت الدولة عن مواجهة لوبيات الريع ونفوذ الرأسمال.
وتأتي هذه المواقف في وقت تؤكد فيه تقارير رسمية، من بينها تقارير رقابية، أن وضعية بعض صناديق التقاعد باتت مقلقة، مع تسجيل عجز تقني متنامٍ وتراجع في الاحتياطات المالية، ما يفرض، بحسب المجلس الاعلى للحسابات، إصلاحًا هيكليًا يتجاوز الحلول الظرفية.
وبين تشديد الحكومة على حتمية الإصلاح، وتمسك النقابات بضرورة ضمان العدالة الاجتماعية، يبدو أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد معالم هذا الورش الشائك.