رغم تعبئة مليارات الدراهم.. هل تتحول اختلالات الصفقات العمومية إلى عائق تنموي؟
في سياق يتسم بتصاعد النقاش العمومي حول نزاهة الصفقات العمومية ونجاعة تدبير الاستثمارات الكبرى، عاد ملف الاختلالات البنيوية التي تشوب منظومة الصفقات إلى الواجهة، بعد تصريحات رسمية كشفت بوضوح عن حجم الأعطاب التي تعيق تنزيل المشاريع الاستراتيجية وتثقل كاهل الإدارة والقضاء على حد سواء.
وخلال ندوة وطنية احتضنتها الرباط، اليوم الاثنين، خصصت لموضوع منازعات الصفقات العمومية، أقر وزير التجهيز والماء نزار بركة، بوجود واقع مقلق يطبع تدبير الطلبيات العمومية، مبرزا أن هذه الأخيرة لم تعد مجرد آلية تقنية لتصريف الاعتمادات المالية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مصدر أزمات قانونية ومؤسساتية تعطل الاستثمار وتبدد الزمن التنموي.
ورسم الوزير بركة صورة قاتمة لمسار الصفقات العمومية، حيث تتقاطع بطء المساطر الإدارية مع ضعف الشفافية وغياب العدالة في الإسناد، لينتهي الأمر بتراكم منازعات قضائية تمتد لسنوات طويلة.
وأبرز المسؤول الحكومي أن جذور أغلب النزاعات لا تنشأ في مراحل التنفيذ المتقدمة، بل تتشكل منذ اللحظات الأولى لإعداد الصفقة، نتيجة ضعف دقة دفاتر التحملات، وعدم وضوح الحاجيات، وغياب الموضوعية في معايير الإسناد.
وفي هذا الإطار، كما اعتبر الوزير أن اللجوء المكثف إلى القضاء يعكس فشلا في التنسيق وضعفا في الحكامة التعاقدية، مشددا على أن أي نزاع يمتد لسنوات طويلة يعني بالضرورة مشروعا معطلا ومرفقا مؤجلا ومجالا ترابيا في حالة انتظار دائم.
هذا الوضع، بحسبه، يكرس هدرا ممنهجا للزمن التنموي، ويقوض قدرة الدولة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.
وفي خطوة تعكس اعترافا ضمنيا بضعف الموقف القانوني للإدارة في عدد من الملفات، تم الإعلان عن إعداد دليل خاص بالاجتهاد القضائي، يضم الأحكام الصادرة لصالح أو ضد الوزارة في قضايا الصفقات العمومية والملك العمومي والاعتداء المادي.
هذه المبادرة تروم، حسب التوجه المعلن، تحليل مسببات الخسائر القضائية وتفادي تكرارها مستقبلا، غير أنها في الوقت ذاته تكرس حجم الاختلالات التي تطبع إعداد القرارات الإدارية والتعاقدية.
كما تطرق الوزير إلى إشكالية أثمان الصفقات والمؤشرات المعتمدة في تحديدها، معتبرا أن الأطر المرجعية الحالية لم تعد قادرة على مواكبة تقلبات الأسعار واضطرابات سلاسل التوريد.
وشدد المتحدث على أن غياب التنسيق يظل المدخل الأول للنزاع، منتقدا ثقافة تعاقدية تعتبر أن دور الإدارة ينتهي بمجرد توقيع الصفقة، دون مواكبة تقنية وميدانية حقيقية. هذا الأسلوب في التدبير، وفق التصور الرسمي، يسهم في تضخيم الخلافات وتحويلها إلى نزاعات قضائية كان بالإمكان تفاديها منذ البداية، لو توفرت إرادة وقائية حقيقية.
وفي سياق متصل، أكد الوزير على ضرورة إعادة الاعتبار للصفقة العمومية كأداة لتنزيل السياسات العمومية، وليس مجرد وسيلة للاقتناء والإنفاق، داعيا إلى الانتقال من منطق الإنفاق إلى منطق الأداء المرتبط بالنتائج.
وفي المقابل، قال الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، إنه لا شك أن الإصلاحات التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالصفقات العمومية تسعى لمواكبة أهمية الاستثمار العمومي في بلدنا، والتي قاربت (في سنة 2024) ثلاثة أرباع مجموع الاستثمارات بالمملكة. وإن هذه النسبة الهامة أدت بطبيعة الحال إلى ازدياد النزاعات أمام "القضاء الإداري بالمحاكم المغربية.
وفي هذا الإطار أشار عبد النباوي إلى أن مجموع القضايا المتعلقة بالعقود الإدارية والصفقات العمومية المسجلة بالمحاكم الإدارية بالمملكة خلال السنوات الثلاث الأخيرة انتقلت من 1969 ملفاً سنة 2023 إلى 2218 ملفاً سنة 2024، لتصل إلى 2577 ملفاً سنة 2025. وقد أصدرت المحاكم الإدارية بدرجتيها الأولى والثانية خلال هذه الفترة، ما مجموعه 6928 مقرراً قضائياً، 46% منها صدرت عن المحكمتين الإداريتين الابتدائية والاستئنافية بالرباط.
وأكد المتحدث ذاته، أن القضاء باعتباره مصدر الأمن القضائي للأفراد والجماعات، لم يكن بمعزل عن النقاش العمومي الدائر حول إصلاح نظام الصفقات العمومية.
مضيفا أن السلطة القضائية تواكب هذا النقاش بما يلزم من حرص واهتمام، وتلتقط الرسائل الرامية إلى تحقيق الغايات المنشودة من طرف المشرع، والمقررة بالدستور، سواء فيما يتعلق بحماية الحقوق والحريات أو المال العام، وبما يراعي قوة العقود وضمان التوازن القانوني بين المصالح العامة والخاصة وتكريس مبادئ الشفافية والتنافسية والحكامة الجيدة في التدبير.
وهنا يبرز، حسب المتحدث ذاته، دور القاضي الإداري في مراقبة الصفقات العمومية وضبط توازناتها، باعتباره ضمانة أساسية لحماية الشرعية التعاقدية وتكريس الأمن القانوني والقضائي، بما يصون حقوق المتقاضين ويحمي المصلحة العامة.
ويأتي هذا النقاش في وقت أعلنت فيه الحكومة عن تعبئة استثمارات عمومية ضخمة، تجاوزت 70 مليار درهم برسم سنة 2025، مسجلة ارتفاعا لافتا مقارنة بالسنوات السابقة.
في المحصلة، يعيد هذا النقاش الرسمي حول اختلالات الصفقات العمومية طرح أسئلة جوهرية حول حدود الإصلاحات المنجزة، وقدرة الدولة على الانتقال من تشخيص الأعطاب إلى معالجتها فعليا.
وبين اعترافات صريحة بعمق الخلل، وإجراءات معلنة للوقاية، يبقى الرهان الحقيقي معلقا على مدى ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات تعاقدية شفافة وفعالة، قادرة على حماية المال العام وتسريع وتيرة التنمية، بعيدا عن منطق النزاع والتعطيل.