هل تنهي الحكومة فوضى شركات الحراسة والنظافة بإجراءات صارمة؟
تتجه الحكومة إلى تشديد إجراءاتها الرقابية على شركات الحراسة والنظافة، ملوحة بإمكانية إقصاء الشركات المخالفة من الصفقات العمومية، في خطوة تعكس توجهاً رسمياً نحو فرض احترام التشريع الاجتماعي وحماية حقوق آلاف العاملين في هذا القطاع الحيوي الذي يشكل ركيزة أساسية لضمان أمن المؤسسات واستمرارية خدماتها.
ويحظى قطاع الحراسة الخاصة بأهمية متزايدة داخل المرافق العمومية والمؤسسات الخاصة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي يضطلع به أعوان الحراسة في تأمين المنشآت والممتلكات، غير أن هذه الأهمية لم تنعكس بالقدر الكافي على أوضاع العاملين فيه، الذين لا يزال عدد كبير منهم يواجه ظروف عمل صعبة، في ظل اختلالات مرتبطة أساساً بعدم احترام بعض الشركات لالتزاماتها القانونية والاجتماعية.
وعلى مدى سنوات، عبّر عدد من أعوان الحراسة والنظافة عن تضررهم من ممارسات وصفوها بغير القانونية، تتعلق بتأخر صرف الأجور، وعدم التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وحرمانهم من التعويض عن الساعات الإضافية، فضلاً عن عدم احترام الحد الأدنى القانوني للأجور في بعض الحالات.
وأسهمت هذه الأوضاع في تعميق هشاشة فئة واسعة من العمال الذين يعتمدون على هذه المهن كمصدر رئيسي لإعالة أسرهم، في ظل غياب الاستقرار المهني والاجتماعي.
كما تزداد معاناة هذه الفئة مع لجوء بعض الشركات إلى إنهاء عقود العمل دون احترام المساطر القانونية، الأمر الذي يضع العديد من الأجراء في مواجهة البطالة بشكل مفاجئ، ويؤثر بشكل مباشر على أوضاعهم الاجتماعية.
وتشير معطيات نقابية إلى أن عدداً من العاملين في هذا القطاع يشتغلون لساعات طويلة قد تصل إلى 12 ساعة يومياً، مقابل أجور لا تعكس حجم الجهد المبذول، في مخالفة صريحة لمقتضيات مدونة الشغل.
وفي مواجهة هذه الاختلالات، كثّفت النقابات المهنية تحركاتها للمطالبة بإصلاحات شاملة تضمن احترام حقوق الأجراء وتحسين ظروف عملهم، معتبرة أن معالجة هذه الإشكالات باتت ضرورة ملحة لضمان الاستقرار الاجتماعي والمهني داخل القطاع.
كما دعت إلى تعزيز آليات المراقبة والزجر، ومساءلة الشركات التي لا تحترم التزاماتها القانونية، بما يضمن تكريس مبدأ العدالة الاجتماعية وحماية كرامة العاملين.
في هذا السياق، أكد وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، في معرض جوابه على سؤال برلماني حول ” مراقبة وزارتكم لعقود الحراسة والنظافة بالمؤسسات التعليمية”، أن الوزارة تواصل مراقبة عقود الحراسة والنظافة، خاصة داخل المؤسسات التعليمية، مشدداً على أهمية ضمان احترام التشريع الاجتماعي الجاري به العمل، وصون حقوق العاملات والعمال.
وأوضح أن قطاع الحراسة عرف توسعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، سواء في القطاع العام أو الخاص، ما استدعى تدخل المشرع من خلال إصدار إطار قانوني ينظم هذا النشاط ويحدد شروط ممارسته.
وفي ما يتعلق بالصفقات العمومية، أبرز المسؤول الحكومي في جوابه الكتابي أن عدداً كبيراً من شركات الحراسة والنظافة يرتبط بعقود مع مؤسسات وإدارات عمومية، وهو ما يجعلها ملزمة باحترام شروط دقيقة ينص عليها المرسوم رقم 2.12.349 المتعلق بالصفقات العمومية.
وينص هذا الإطار القانوني، خاصة المادة 138 منه، حسب الوزير على إمكانية إقصاء الشركات بشكل مؤقت أو نهائي من المشاركة في الصفقات العمومية في حال ثبوت ارتكابها مخالفات جسيمة، من قبيل الغش أو الرشوة أو الإخلال بالالتزامات التعاقدية أو تكرار انتهاك شروط العمل. كما يمنح الإدارة صلاحيات واسعة لتتبع تنفيذ العقود، بما في ذلك توقيف الصفقة أو فسخها ومصادرة الضمان المالي عند الاقتضاء.
كما تم توجيه أعوان تفتيش الشغل، حسب الجواب الكتابي للتحقق من أداء الشركات لالتزاماتها تجاه العاملين قبل تسليم الشهادة الإدارية التي تخول لها المشاركة في الصفقات العمومية.
وكشف المسؤول الحكومي أن جهاز تفتيش الشغل كثّف من تدخلاته الميدانية، حيث تم خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025 إنجاز 18 ألفاً و289 زيارة مراقبة شملت مؤسسات خاضعة لقانون الشغل، من بينها شركات الحراسة والنظافة. وأسفرت هذه الزيارات عن تسجيل 216 ألفاً و609 ملاحظات تتعلق بمختلف جوانب التشريع الاجتماعي، من بينها 6 آلاف و289 ملاحظة مرتبطة بالحد الأدنى للأجور، و24 ألفاً و427 ملاحظة بشأن مدة العمل، و13 ألفاً و345 ملاحظة تتعلق بالحماية الاجتماعية، إضافة إلى 2,711 ملاحظة مرتبطة بالصحة والسلامة المهنية.
كما تم تحرير 412 محضراً تضمن 1,505 مخالفات و856 جنحة، في مؤشر على استمرار بعض التجاوزات داخل القطاع، وفقا لما كشفه يونس السكوري في جوابه.
وبين الانتظارات الكبيرة التي تعبر عنها الشغيلة العاملة في قطاع الحراسة الخاصة، والالتزامات المعلنة من طرف الحكومة، يظل الرهان معلقًا على مدى ترجمة هذه الوعود إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع، قادرة على إنهاء سنوات من المعاناة، وفتح صفحة جديدة قوامها الإنصاف والاستقرار الاجتماعي.