باب المحروق...حكاية بوابة كتبت تاريخها بالنار

الكاتب : الجريدة24

10 أبريل 2026 - 02:00
الخط :

أمينة المستاري

أبواب مدينة فاس هي أكثر من مجرد منافذ حجرية في أسوار عتيقة؛ إنها مفاتيح لذاكرة مدينة نسجت تاريخها بين الجمال والغموض. فبمجرد أن يمر الزائر عبر تلك البوابات المزدانة بالزخارف التقليدية، وتحت ظلال الأسوار الشاهقة والقباب الخضراء، يشعر أنه يعبر من الحاضر إلى زمن آخر، حيث تتعانق الحكاية بالتاريخ.
ومن بين هذه الأبواب، يبرز "باب المحروق" كأحد أكثرها إثارة للرهبة والفضول. يقع الباب عند الزاوية الشمالية الغربية لساحة بوجلود، ويعد نقطة الانطلاق نحو الشريان الحيوي للمدينة العتيقة المعروف بـ"الطالعة الكبيرة". وبجواره تمتد مقبرة باب المحروق، التي تحتضن قبور شخصيات دينية وثقافية تركت بصمتها في تاريخ فاس.
لم يكن هذا الباب يحمل اسمه الحالي منذ البداية، فقد عرف أولا باسم "باب الشريعة"، أي باب القانون والعدل، وكان يخرج منه الخليفة الموحدي محمد الناصر متوجها إلى قصبة شراردة وظهر الخميس. شيد الباب سنة 1204م في إطار إعادة بناء أسوار فاس وتعزيز تحصينها، بعد أن كانت المدينة قد عرفت محناً قاسية، أبرزها حصار عبد المؤمن سنة 1145م، حين استخدم تكتيك مائي ذكي لهدم الأسوار وإغراق أجزاء منها.
لكن الاسم تبدل حين اقترن الباب بواحدة من أكثر الوقائع دموية في تاريخ المدينة، فقد تزامن بناؤه مع القضاء على ثورة عبيد الله الفاطمي العبيدي الذي أعلن نفسه أميرا في منطقة وزان.
أعدم الرجل، وصلب خمسة عشر يوما، ثم علق رأسه على الباب طويلا أمام أنظار العامة، في رسالة صارمة تؤكد هيبة الدولة.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الباب نهاية كل ثائر، حيث كانت تعرض رؤوس أو بقايا من يدان بالتمرد، في مشاهد تركت أثرا عميقا في ذاكرة الفاسيين.
شهد باب المحروق أحداثا جسيمة وتصفيات موجعة طالت شخصيات بارزة من رجال الدولة والعلم. ومن أشهر الوقائع المرتبطة به حادثة إحراق جثة الوزير والأديب الأندلسي لسان الدين بن الخطيب سنة 776هـ/1374م، بعد اتهامه بالزندقة، فقد أخرج من قبره وأحرقت جثته قرب الباب، في حادثة أثارت استياء واسعا بين سكان فاس، ورسخت في الأذهان رمزية الاسم: "المحروق".
معمارياً، يمثل باب المحروق نموذجا مميزا للطراز الموحدي المغربي المتأثر بالعمارة الأندلسية. يتميز بمدخل منكسر يفرض على الداخل مسارا مائلا بزاوية قائمة، وهي تقنية دفاعية محكمة، إضافة إلى قوس كبير شامخ يمنحه هيبة واضحة.
وقد شيد ليكون جزءا من منظومة دفاعية متكاملة، تحمي المدينة وتنظم حركة الدخول والخروج منها. وعبر العصور، ظل الباب صامدا في وجه الاعتداءات والحروب، بفضل بنيته المتينة، كما شهد عدة عمليات ترميم وصيانة للحفاظ على طابعه التاريخي.
وكان، إلى جانب دوره الدفاعي، فضاء للحياة اليومية؛ تقام عنده الأسواق، وتتجمع الحشود، وتنبض حوله الحركة الاجتماعية والاقتصادية.
اليوم، لم يعد باب المحروق مسرحا للعقوبات ولا رمزا للرعب، بل تحول إلى معلمة تاريخية يستقطب الزوار والباحثين، ويقف شاهدا على تحولات فاس من مدينة تحيطها الأساطير والوقائع الدامية، إلى حاضرة ثقافية وسياحية يقصدها الناس من كل أنحاء العالم.

آخر الأخبار