شلل رخص البناء في القرى يعمق أزمة السكن ويغذي مخاوف الهجرة نحو المدن
يشهد ملف البناء في العالم القروي بالمغرب خلال السنوات الأخيرة نقاشاً متواصلاً بين الساكنة والمنتخبين والسلطات العمومية، في ظل ما يعتبره كثيرون تشدداً في شروط الحصول على رخص البناء وتعقيداً في المساطر المرتبطة بها.
وقد تحول هذا الملف إلى موضوع يثير تساؤلات متزايدة حول تأثير القيود القانونية والإدارية المفروضة على مشاريع البناء في القرى، خاصة في سياق التحديات التنموية التي تواجهها هذه المناطق.
ولم يعد موضوع صعوبة الحصول على رخص البناء مقتصرا على المدن الكبرى والأحياء الهامشية التي تعاني من غياب وثائق التعمير أو تعليق منح التراخيص، بل امتد ليشمل عدداً من الجماعات القروية بمختلف جهات المملكة، حيث يشتكي السكان من صعوبات متزايدة في تشييد مساكنهم أو توسيعها.
وفي حالات عديدة يجد سكان القرى أنفسهم أمام معضلة حقيقية بين الحاجة إلى السكن وتحسين ظروف العيش من جهة، والخشية من التعرض لإجراءات الهدم أو المتابعة بسبب البناء دون ترخيص من جهة أخرى.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن عدداً من الأقاليم القروية تعرف شبه ركود في حركة البناء، نتيجة تشعب الإجراءات الإدارية والتقنية المطلوبة.
وفي هذا السياق دخل البرلمان على خط النقاش، حيث وجه النائب البرلماني نور الدين مضيان، عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، سؤالا كتابيا إلى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة فاطمة الزهراء المنصوري، استفسر فيه عن أسباب ما وصفه بتوقف البناء في عدد من المناطق القروية، وعن الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها لمعالجة هذه الإشكالية.
وأوضح النائب البرلماني أن العديد من الجماعات الترابية تعرف توقفاً شبه كلي لقطاع البناء، نتيجة تعقيد المساطر الإدارية وتعدد الجهات المتدخلة في دراسة ملفات طلبات الترخيص، سواء تعلق الأمر بالبناء الفردي أو بالمشاريع الصغرى المرتبطة بالسكن والأنشطة الاقتصادية المحلية.
وأضاف في معرض سؤاله أن هذا الوضع خلف حالة من التذمر في صفوف الساكنة، خاصة لدى الشباب والمقاولين الصغار والحرفيين الذين يعتمد نشاطهم بشكل مباشر على حركة البناء.
وأشار النائب البرلماني إلى أن استمرار هذا الوضع قد تكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية واضحة، من بينها تراجع فرص الشغل المرتبطة بقطاع البناء، وتباطؤ الدورة الاقتصادية المحلية، فضلا عن احتمال ارتفاع معدلات الهجرة نحو المدن المجاورة بحثاً عن فرص أفضل للاستقرار والعمل. وتعد هذه الهجرة من أبرز التحديات التي تواجه السياسات العمومية الموجهة نحو تنمية العالم القروي والحد من الفوارق المجالية.
وفي المقابل، سبق أن أكدت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، خلال إحدى جلسات مجلس النواب، أن تنظيم البناء في العالم القروي يتم وفق مقتضيات القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، إلى جانب الدورية المشتركة بين وزارتها ووزارة الداخلية، والتي تهدف إلى تأطير عمليات البناء داخل الدواوير وتنظيمها بشكل يضمن احترام الضوابط القانونية والتعميرية.
وأوضحت المسؤولة الحكومية أن هذه الدورية ساهمت في إحداث تحول مهم في تدبير ملفات البناء بالعالم القروي، خاصة من خلال تحديد مدارات الدواوير التي يسمح داخلها بالبناء وفق شروط مضبوطة.
وبلغ عدد الدواوير التي جرى تحديد مداراتها حسب الاحصائيات التي سبق أن قدمتها الوزيرة، 3114 دوارا، فيما توجد 494 دائرة إضافية في طور الإنجاز، وهو ما اعتبرته الوزارة خطوة تهدف إلى تسهيل دراسة الملفات وتمكين السكان من مساطر أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق.
كما أفادت الوزيرة بأن مصالح الوزارة تعاملت خلال السنوات الأخيرة مع نحو 99 ألف ملف طلب ترخيص بالبناء في الوسط القروي، تمت الموافقة على 52 ألفاً و198 ملفا منها، من بينها 44 ألفا و724 مشروعا سكنيا.
وتشير هذه الأرقام، بحسب الوزارة، إلى وجود دينامية في معالجة الطلبات رغم التحديات المرتبطة بطبيعة المجال القروي وتعقيد الوضعيات العقارية في عدد من المناطق.
ورغم ذلك يظل عدد من النواب البرلمانيين والفاعلين المحليين يثيرون إشكالات متعددة مرتبطة بشروط البناء في القرى، من أبرزها شرط المساحة الدنيا للأرض، الذي كان يفرض في السابق التوفر على هكتار كامل للحصول على رخصة البناء، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بإعداد الملف التقني الضروري لنيل الترخيص، والذي قد تتراوح تكلفته بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألف درهم، وهو مبلغ يعتبره العديد من سكان القرى مرتفعاً بالنظر إلى قدراتهم المالية المحدودة.
وقد شكل شرط المساحة الدنيا موضوع نقاش واسع خلال السنوات الماضية، خصوصاً في ظل طبيعة الملكيات العقارية في العالم القروي التي غالباً ما تكون مجزأة بين الورثة أو محدودة المساحة.
وفي محاولة لمعالجة هذه الإشكالية، نصت الدورية المشتركة الصادرة سنة 2023 عن وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ووزارة الداخلية على إمكانية منح تراخيص البناء دون التقيد الصارم بشرط الهكتار الواحد، وذلك من خلال دراسة الطلبات الفردية التي تعرض على اللجان المختصة.
وأشارت وزيرة التعمير إلى أن هذا التوجه أتاح قدراً من المرونة في التعامل مع طلبات البناء، حيث تبين أن نحو 70 في المائة من المشاريع السكنية التي تمت الموافقة عليها تقع على قطع أرضية تقل مساحتها عن ألف متر مربع، وهو ما يعكس تغيراً في المقاربة المعتمدة مقارنة مع الإطار القانوني السابق الذي كان يفرض مساحات أكبر.
ويظل ملف البناء في القرى من القضايا المرتبطة بشكل وثيق بمسار التنمية القروية بالمغرب، حيث يعتبر تسهيل الولوج إلى السكن وتحسين شروط العيش من بين العوامل الأساسية التي قد تساهم في تثبيت السكان في مناطقهم والحد من الهجرة نحو المدن.