باب الدباغ...متاهة حجرية تحرس أسرار مراكش - الجريدة 24

باب الدباغ...متاهة حجرية تحرس أسرار مراكش

الكاتب : الجريدة24

23 March 2026 - 10:00
الخط :

أمينة المستاري

 لم تكن أبواب مراكش في الماضي مجرد ممرات لعبور الناس والقوافل، بل كانت بمثابة حراس حجريين يقفون على تخوم المدينة. فمن خلف أقواسها العالية كانت تراقب الطرق القادمة من الصحراء والجبال، وتضبط حركة الداخلين والخارجين بدقة، وعند اقتراب الغروب كانت المصاريع تغلق بإحكام، لتتحول الأبواب إلى نقاط يقظة تحرس المدينة حتى طلوع الفجر. هكذا أدت أبواب مراكش دورا مزدوجا، إذ جمعت بين هيبة العمارة وجسامة المسؤولية في حماية المدينة وصون أمنها عبر القرون.

باب الدباغ...الذي ينتصب شامخا هو واحد من أكثر أبوابها إثارة للدهشة من حيث التصميم والتاريخ.

فهذا الباب، الذي يقع في أقصى الشمال من البوابتين الشرقيتين للمدينة، يشكل صفحة حية من ذاكرة المدينة، تختلط فيها العمارة بالدفاع، والتاريخ بالحياة اليومية للحرفيين "صناع الجلد" الذين ما زالوا إلى اليوم يزاولون حرفتهم بجواره.

تشير النصوص التاريخية إلى هذا الباب منذ دخول الموحدين إلى مراكش سنة 1147م، غير أن بناءه يرجع في أصله إلى عهد الدولة المرابطية، حين شيد الأمير علي بن يوسف بن تاشفين أسوار المدينة حوالي سنة 1126م، فيما يعتقد الباحثون أن الجزء المركزي من الباب يعود إلى تلك المرحلة المرابطية الأولى، بينما أضاف الموحدون لاحقا بعض العناصر، خصوصا الفناءين الداخلي والخارجي، وهو ما يفسر اختلاف الانسجام المعماري بين بعض أجزائه، كما يرجح أن البهو الجنوبي الشرقي أضيف في مرحلة لاحقة، مما يدل على أن الباب لم يتم بناؤه دفعة واحدة، بل عرف تعديلات متتالية عبر العصور.

باب الدباغ من أعقد أبواب مراكش على الإطلاق من حيث تصميمه الدفاعي. فالدخول إلى المدينة عبره ليس مسارا مستقيما كما في كثير من الأبواب، بل رحلة قصيرة داخل ممر متعرج يفرض على الداخل القيام بخمس دورات متتالية في مسار يشبه حرف( S) ويعبر الممر خلال ساحتين مفتوحتين وغرفة مغطاة قبل الوصول إلى داخل المدينة.

وقد صمم هذا المسار الملتوي عمدا لعرقلة أي هجوم مفاجئ، إذ يمنع اقتحام الباب بشكل مباشر.

ويكتمل هذا النظام الدفاعي بدرج في الزاوية الجنوبية الشرقية يسمح بالصعود إلى سطح البوابة لمراقبة محيطها.

ورغم ما عرفه من إضافات، يظل باب الدباغ من أقل أبواب مراكش تغيرا منذ العهد المرابطي.

وقد ذكر في كتب التاريخ أنه كان شاهدا على معركة البحيرة سنة 524هـ/1130م، التي انهزم فيها الموحدون قرب هذا الموضع، قبل أن يتمكنوا بعد سنوات من دخول المدينة وإقامة دولتهم فيها.

أما اسم الباب فيحمل بدوره حكاية قديمة. فقد كان يسمى في الأصل باب "هيلانة"، نسبة إلى قبيلة جبلية صغيرة استقرت قديماً في بلاد "جدميوة".

مع مرور الزمن، طغت تسمية باب الدباغ على الاسم القديم، ارتباطا بحرفة الدباغة التي ازدهرت في محيطه.

وكان المراكشيون القدامى يطلقون عليه أيضاً لقب "باب بلا رتاج"، في إشارة إلى هندسته الفريدة التي لا تشبه غيرها من أبواب المدينة، التي كانت تغلق مع اقتراب غروب الشمس، وتشدد الحراسة عليها تحسبا لأي اضطراب أو هجوم، خاصة أن الأسوار ومحيطها كانا عرضة للتوترات خلال فترات القلاقل.

ويظل باب الدباغ أكثر من مجرد مدخل حجري في سور عتيق؛ هو معلمة تختصر عنده قرون من التاريخ، من زمن المرابطين إلى عهد الموحدين، ومن ذاكرة القبائل القديمة إلى حياة الحرفيين المعاصرين، هو باب يعكس كيف كانت أبواب المدن المغربية تجمع بين عبقرية العمارة الدفاعية وحيوية الحياة اليومية، لتظل شاهدا صامتا على تاريخ مدينة لا تزال تحتفظ بأسرارها خلف أسوارها.

آخر الأخبار