باب الرايس...بوابة تحكي تاريخ الماء والقصور السلطانية

الكاتب : الجريدة24

07 July 2026 - 01:00
الخط :

أمينة المستاري

في قلب مكناس، حيث تتعانق الأسوار العتيقة مع ملامح المدينة الإمبراطورية، تقف الأبواب التاريخية شاهدة على عصور من الإبداع المعماري والعبقرية الهندسية.

فقد شكلت أسوار مكناس عبر التاريخ منظومة عمرانية متكاملة تعكس تنوع الوظائف الدفاعية والاقتصادية والاجتماعية والجمالية، وتروي قصة مدينة بلغت أوجها عندما جعلها السلطان المولى إسماعيل عاصمة لدولته في القرن السابع عشر.

فقد وصفت مكناس في وقت من الأوقات بـ"فرساي المغرب" لما تزخر به من قصور وأسوار وأبواب شاهقة، وتمتد أسوارها لمسافة تقارب أربعين كيلومترا، وتضم ما يقارب سبعين بابا تاريخيا، وهو ما منح المدينة مكانة متميزة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.

وسط هذه المنظومة العمرانية المهيبة يبرز "باب الرايس" كواحد من الأبواب التي تحمل قيمة تاريخية ومعمارية خاصة داخل القصبة الإسماعيلية.

يقع هذا الباب عند مدخل ممر أسراك، ويشكل نقطة عبور نحو قلب القصور السلطانية التي شيدها المولى إسماعيل لتكون مركز حكمه.

لكن هذا الباب لم يكن يحمل اسمه الحالي في البداية، إذ يشير المؤرخ عبد الرحمان بن زيدان في كتابه الإتحاف إلى أن الاسم الأصلي للباب هو "باب الخلا" أو "باب الخلاء"، لأنه كان يفتح قديما على المجال الخارجي للمدينة قبل توسع العمران وبناء قصور السلطان في تلك الجهة، مثل قصر المحنشة وغيرها من المنشآت السلطانية.

ولم يكن باب الرايس مجرد منفذ عبور، بل كان جزءا من منظومة مائية دقيقة أنشأها السلطان المولى إسماعيل لتأمين الماء داخل القصبة، لهذا عرف أيضا باسم "دار الماء"، إذ كان يضم نظاما لتوزيع المياه بالتوقيت، حيث تصل المياه من برج الماء في نهاية ممر أسراك ثم توزع على مختلف مرافق القصور والحدائق.

ويحمل الباب في تفاصيله المعمارية آثارا من تاريخ المغرب نفسه؛ فوفق رواية مؤرخ الدولة العلوية أبو القاسم الزياني، فإن الأعمدة الرخامية الموجودة داخله جلبت سنة 1707 من بقايا قصر البديع بمدينة مراكش، في خطوة تعكس تقليدا معماريا كان شائعا آنذاك يتمثل في إعادة توظيف عناصر المباني القديمة داخل منشآت جديدة.

ويتميز باب الرايس ببنية هندسية فريدة، حيث يضم ثلاثين قوسا من الجهة اليمنى وخمسة عشر قوسا من الجهة اليسرى، ترتكز على ثمانية أعمدة حجرية ما تزال قائمة إلى اليوم.

خضع الباب لعمليات ترميم حافظت على ملامحه التاريخية، وأصبح مدخله اليوم يسمح بمرور سيارة واحدة فقط، مع تنظيم المرور بالتناوب في الاتجاهين.

وهكذا يظل باب الرايس شاهدا حيا على مرحلة ذهبية من تاريخ مكناس، حين تحولت المدينة إلى عاصمة إمبراطورية نابضة بالحياة، وبين أقواسه الحجرية يلتقي التاريخ بالهندسة، وتظل ذاكرة المدينة محفوظة في حجارة باب ما زال يحرس أسرار القصبة الإسماعيلية منذ قرون.

آخر الأخبار