"باب شعفة"...بين التاريخ وأسطورة "السبع بنات"

الكاتب : الجريدة24

29 مايو 2026 - 10:20
الخط :

أمينة المستاري

تتميز الأبواب التاريخية في الأسوار العتيقة لمدينة سلا بخصائص معمارية ووظيفية جعلتها جزءا أساسيا من منظومة الدفاع والتنظيم العمراني للمدينة عبر القرون.

ومن أبرز مميزات هذه الأبواب ضخامتها وقوة بنائها، إذ كانت تشيد بجدران سميكة من الحجر والجير، لتتحمل الصدمات والهجمات المحتملة، وغالبا ما كان المدخل يتخذ شكل قوس مرتفع يسمح بمرور القوافل والدواب، وفي الوقت نفسه يمنح الباب هيبة معمارية واضحة تميز مداخل المدينة.

كما اتسمت أبواب الأسوار بوجود ممرات منكسرة أو ملتوية خلف المدخل الرئيسي، وهي تقنية دفاعية كانت تهدف إلى إبطاء حركة المهاجمين ومنع اقتحام المدينة بشكل مباشر، وفي بعض الحالات كانت هذه الأبواب محاطة بأبراج مراقبة مدمجة في السور، حيث يقف الحراس لمتابعة حركة الداخلين والخارجين.

ولم تخل هذه الأبواب من البعد الجمالي، فقد زينت بعض مداخلها بزخارف بسيطة أو كتابات تاريخية، كما أحيطت بإطارات حجرية منحوتة بعناية تعكس مهارة البنائين والحرفيين.

ومن بين هذه المعالم يبرز "باب شعفة" كأحد الأبواب التي ظلت، رغم تواضع شهرتها مقارنة ببعض الأبواب الكبرى، تحتفظ بمكانتها في النسيج التاريخي للمدينة، حيث يشكل جزءا من منظومة التحصينات التي كانت تحيط بالمدينة العتيقة وتحميها عبر العصور، وظهر باب شعفة كواحد من الممرات التي تربط داخل المدينة العتيقة بمحيطها الخارجي، مساهما في تنظيم الحياة اليومية لسكانها.

وسمي الباب بباب شعفة لأنه كان مفروشا بالحجارة الزرقاء الصلبة المجلوبة من أنقاض مدينة شالة التاريخية، كما سمي بـ" باب سبع بنات" حيث نزعت روايات إلى القول بأن السلاويين عندما تهيئوا للجهاد ضد إحدى الهجمات التي وقعت على مدينتهم في سنة 685هـ/ 1260م كانت بينهم سبع بنات سقطن شهيدات أمام هذا الباب، وقيل أن سبع بنات خرجن للجهاد ليلة عرسهن وسقطن شهيدات ومن أجل ذلك نسب إليهن هذا الباب.

يقع باب شعفة في الجهة الشمالية من المدينة القديمة، ضمن المجال الحضري الذي ظل لقرون يعج بالحركة والنشاط.

وقد شكل الباب عبر تاريخه نقطة عبور حيوية بين الأحياء السكنية والأسواق التقليدية والفضاءات المفتوحة خارج الأسوار، فكان يستقبل يوميا قوافل التجار والوافدين إلى المدينة، في زمن كانت فيه سلا محطة تجارية مهمة تربط بين الداخل المغربي والموانئ الأطلسية.

ومن الناحية المعمارية، يجسد باب شعفة خصائص العمارة الدفاعية المغربية التي تميزت بها مدن العصور الوسطى، فالمدخل المقوس المرتفع، والجدران السميكة المشيدة بالحجر والجير، يعكسان الطابع التحصيني الذي طبع هذه المنشآت.

كما أن ارتباط الباب بأسوار المدينة يمنحه بعدا دفاعيا واضحا، إذ كان يشكل جزءا من منظومة مراقبة كانت تضم أبراجا للحراسة وممرات مخصصة لجنود الحامية.

ومع مرور الزمن، لم يعد باب شعفة مجرد عنصر دفاعي في سور المدينة، بل تحول إلى فضاء اجتماعي يختزن تفاصيل الحياة اليومية للسكان، فقد نشأت حوله أحياء شعبية ومحلات تجارية صغيرة، وأصبح محيطه مكانا يلتقي فيه الناس ويتبادلون أخبارهم، كما شهد تحولات عمرانية متلاحقة مع توسع المدينة خارج أسوارها.

ورغم التغيرات التي عرفتها سلا في العصر الحديث، ظل باب شعفة قائما كأحد الشواهد الحية على تاريخ المدينة العريق، فقد حافظ على حضوره في الذاكرة الجماعية للسكان، كما أصبح جزءا من المشهد الحضري الذي يربط الماضي بالحاضر.

وفي السنوات الأخيرة، عرف محيطه بعض عمليات التهيئة الحضرية التي هدفت إلى تحسين الفضاء العمومي وإعادة الاعتبار لهذا المعلم التاريخي.

باب شعفة، مثل غيره من أبواب سلا التاريخية، ليس مجرد معلمة معماري صامت، بل هو صفحة من تاريخ مدينة عرفت عبر القرون ازدهارا علميا وتجاريا وثقافيا كبيرا.

وبين حجارة هذا الباب تختبئ حكايات العابرين والتجار والرحالة، لتبقى شاهدة على مدينة لم تفقد روحها رغم تعاقب الأزمنة.

آخر الأخبار