باب معلقة...شاهد على عقود من العبور والصراع
أمينة المستاري
تجسد أبواب مدينة سلا أكثر من مجرد مداخل عمرانية؛ فهي صفحات حية من تاريخٍ تعاقبت عليه الهجرات والصراعات. وقد شهدت هذه الأبواب لحظات دموية، وتحولت المداخل إلى خطوط مواجهة ومقاومة، كما ارتبطت بعض الأبواب بصراعات داخلية وخلافات سياسية، حيث كانت تغلق أحيانا لعزل الأحياء أو لفرض السيطرة، فتتحول من معابر مفتوحة إلى رموز للانقسام.
فأبواب سلا تتداخل فيها حكايات العبور القسري، والدم المسفوك، والتوترات السياسية، لتشكل مجتمعة سردية مدينة لم تكن أبوابها مجرد حجارة، بل شواهد على تحولات عميقة في تاريخها الاجتماعي والإنساني.
من هذه الأبواب، ينتصب "باب معلقة" شامخا عند تخوم الذاكرة السلاوية، باب لا يشبه سواه من أبواب المدينة؛ صغير في هيئته، لكنه عظيم في دلالاته.
اسمه المتداول اليوم يخفي في طياته جذورا أقدم، تعود إلى "باب مالقة"، في إشارة إلى حكاية عبور كتبت فصولها الأولى على وقع الهجرة والاقتلاع.
تبدأ القصة مع الأندلسيين الذين شدوا الرحال من مدينة مالقة، هاربين من اضطرابات عصفت بديارهم، ليجدوا في سلا ملاذا جديدا.
كان هذا الباب بوابتهم الأولى إلى الضفة الأخرى، فعلق اسمه بذاكرتهم، وصار شاهدا على ميلاد أحياء وأسر حملت معها عبق الأندلس، مثل عائلة "المالقي"، التي ظل اسمها يردد صدى الرحلة عبر الأجيال.
غير أن "باب معلقة" لم يكن مجرد معبر للهجرة، بل تحول سريعا إلى معلمة من معالم الصراع والتحصين.
ففي سنة 1260، وبعد تحرير سلا من القشتاليين، أمر السلطان المريني يعقوب بن عبد الحق ببناء السور الذي احتضن الباب، فجاء تصميمه بسيطا في ظاهره، لكنه محكم في وظيفته: فتحة مربعة محصنة، تتيح للمدافعين صد كل من تسول له نفسه الاقتراب من المدينة.
وبين صرامة الدفاع وهدوء الاستقبال، احتفظ الباب بوجه آخر أكثر خصوصية، فقد خصص لعبور السلاطين خلال زياراتهم، نظرا لقربه من المسجد الأعظم وقصور حي الطالعة، فكأنه ممر ملكي خفي، تعبر منه السلطة إلى قلب المدينة دون صخب.
أما اسمه "معلقة"، فقد ظل لغزا مفتوحا على تعدد الروايات، فبين من يراه تحويرا صوتيا لاسم "مالقة"، ومن يربطه بحادثة صلح علقت فيها السيوف إعلانا لنهاية نزاع داخلي، تتناسل التأويلات.
وهناك رواية أكثر قتامة، تعود إلى سنة 1795، حين أعدم عامل المدينة الحاج بوعزة بن محمد القسطالي بأمر من السلطان المولى سليمان، وقيل إن جثمانه علق على أحد الأبواب القريبة، فترسخ الاسم منذ ذلك الحين في الذاكرة الشعبية.
ومع توالي القرون، ظل الباب حاضرا في المشهد العسكري للمدينة، فعلى مقربة منه، اتخذ المجاهد العياشي من سلا قاعدة لعملياته ضد الوجود الإسباني في القرن السابع عشر، مستفيدا من ممرات سرية وأنفاق تمتد نحو الساحل، كانت تمر بمحاذاة الباب، لتصل إلى مواقع دفاعية محصنة.
وأمام "باب معلقة"، تمتد مقبرة تحمل اسمه، تحتضن رفات عدد من أعلام سلا، في مشهد يختزل دورة الحياة كاملة: عبور، وصراع، وصلح، ثم وداع أخير.
تحول "باب معلقة" إلى نص حي من تاريخ مدينة، تتداخل فيه حكايات الهجرة بالسياسة، وتتشابك فيه وقائع الدم مع لحظات السلم.