دفاتر تحملات جديدة على أبواب التنزيل.. الدار البيضاء ورهان إنهاء سنوات من الاختلالات
تستعد مدينة الدار البيضاء لدخول مرحلة جديدة في تدبير مرافقها الحيوية، مع اقتراب تنزيل حزمة من دفاتر التحملات التي تهم قطاعات أساسية ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين، في مقدمتها النظافة، نقل الأموات، نقل المرضى، تجميل الواجهات، وتنظيم الفضاء العمومي.
وتأتي هذه الخطوة في سياق مسار إصلاحي تسعى من خلاله جماعة المدينة إلى القطع مع اختلالات مزمنة ظلت تؤثر على جودة الخدمات وتفاقم مظاهر الفوضى داخل العاصمة الاقتصادية.
في قطاع النظافة، تكشف المعطيات التي حصلت عليها “الجريدة 24” عن توجه واضح نحو إرساء نموذج تدبيري حديث يقوم على إدماج التكنولوجيا وتعزيز النجاعة الميدانية.
ويعتمد دفتر التحملات الجديد على آليات رقمية متطورة لتتبع عمليات جمع النفايات، إلى جانب تعميم الكنس الميكانيكي بالمحاور الكبرى واعتماد حاويات تستجيب للمعايير الدولية.
كما يرتقب إحداث 4700 نقطة جمع جديدة وتركيب 8400 سلة مهملات، مع ضمان تفريغ يومي وصيانة دورية، والتدخل في أجل لا يتجاوز 12 ساعة لمعالجة أي اختلال.
وتتجه الجماعة إلى فرض جمع يومي للنفايات طيلة أيام الأسبوع، مع تدخل لا يتجاوز ساعتين لإزالة الإيداعات العشوائية، واعتماد المياه المعالجة في عمليات الغسل، في خطوة تعكس وعياً متزايداً بضرورة الحفاظ على الموارد المائية.
كما يشمل المشروع معالجة خاصة للأراضي المهملة والمناطق غير المهيأة، عبر مراقبة منتظمة ورصد مبكر للنفايات الضخمة والتلوث العرضي، بما يحد من تحول هذه الفضاءات إلى نقط سوداء تهدد البيئة والصحة العامة.
وتبرز المقاربة الجديدة أيضاً من خلال التركيز على الوقاية، عبر تنظيم عمليات دورية لإزالة الأعشاب الضارة وتنظيف المناطق القابلة للولوج، للحد من انتشار الحشرات والقوارض وتقليص مخاطر الحرائق.
كما يفرض دفتر التحملات على المفوض له إعداد مخططات خاصة بالنظافة بالنسبة للتجزئات الجديدة، مع إلزامية توفير نقاط تجميع مجهزة وتنظيم عمليات الجمع بشكل يومي، بما يواكب التوسع العمراني ويمنع تراكم النفايات.
وفي جانب التحسيس، يشدد المشروع على ضرورة انخراط الشركات المفوض لها في حملات توعوية بشراكة مع المجتمع المدني، مع تثبيت لوحات إرشادية لتعزيز السلوك البيئي السليم، وهو ما يعكس توجهاً نحو إشراك المواطن في الحفاظ على نظافة المدينة، بدل الاكتفاء بالمقاربة الزجرية.
بموازاة ذلك، يهم الإصلاح مرفق نقل الأموات، حيث تسعى الجماعة إلى وضع إطار قانوني صارم ينهي مظاهر العشوائية التي طالما أثارت انتقادات واسعة.
ووفق ما توصلت به “الجريدة 24”، يتضمن دفتر التحملات تحديد أسعار قصوى لخدمات ومستلزمات النقل، من بينها 800 درهم لنعش الكبار المصنوع من الخشب و1400 درهم لنعش الزنك والخشب، إلى جانب تسقيف تكلفة الكفن والحنوط في 300 درهم.
كما يقر المشروع نظام غرامات مالية يتراوح بين 500 و2000 درهم حسب طبيعة المخالفة، تشمل عدم احترام التعريفات أو غياب المراقبة الصحية أو التأخر في تقديم التقارير.
ويُلزم المفوض إليه بضمان استمرارية الخدمة على مدار الساعة، مع توفر أسطول لا يقل عن أربع سيارات حديثة لا يتجاوز عمرها خمس سنوات، تستجيب لشروط النظافة والسلامة والتجهيز التقني.
ويمتد التنظيم إلى فرض مسك سجلات دقيقة لكل عملية نقل، وإخضاع السيارات لعمليات تعقيم منتظمة، مع إحداث لجنة مراقبة مختلطة تضم مختلف المتدخلين لتتبع جودة الخدمات. كما يحتفظ المجلس بحق فسخ العقد في حال تسجيل خروقات جسيمة، في مقابل ضمان توازن تعاقدي يحفظ حقوق الطرفين.
وفي القطاع الصحي، تتجه الجماعة حسب ما توصلت به "الجريدة 24" إلى تنظيم نشاط نقل المرضى والجرحى عبر تحديد سقف الأسعار في 500 درهم للتنقل من المنزل إلى المستشفى و400 درهم بين المؤسسات الصحية، مع حصر عدد المستغلين في 30 فاعلاً فقط يتم اختيارهم وفق معايير تنافسية صارمة.
ويهدف هذا التوجه إلى إنهاء الفوضى التي يعرفها القطاع وضمان خدمات تستجيب للمعايير المهنية، مع إعطاء الأولوية للشركات المحلية وتعزيز الشفافية عبر نشر لوائح المستغلين المرخص لهم.
كما يتضمن المشروع إجراءات زجرية صارمة ضد المخالفين، تصل إلى إشعار السلطات الأمنية والصحية، في خطوة تعكس تشديداً غير مسبوق في مراقبة هذا المرفق الحيوي.
وتم تحديد مدة عقود التدبير في عشر سنوات قابلة للتجديد، مع فرض إتاوة سنوية لفائدة الجماعة.
وعلى المستوى العمراني، تسعى المدينة إلى استعادة هويتها البصرية من خلال فرض صباغة واجهات المباني كل خمس سنوات على الأقل، مع اعتماد اللون الأبيض كلون موحد يعكس الطابع التاريخي للدار البيضاء.
وتفيد المعطيات التي حصلت عليها "الجريدة 24" أن القرار يلزم الملاك بالحفاظ على صيانة واجهات بناياتهم، مع إمكانية تدخل الجماعة لإنجاز الأشغال على نفقتهم في حال الامتناع.
كما يشمل التنظيم منع تثبيت التجهيزات بشكل عشوائي على الواجهات، واعتماد مسطرة تدريجية في مواجهة المخالفين تبدأ بالإشعار وتنتهي بالتدخل المباشر واستخلاص التكاليف.
ويأتي هذا التوجه في ظل تفاوت واضح بين الأحياء من حيث القدرة على الامتثال، ما يطرح تحدي تحقيق العدالة المجالية في تنزيل هذا الورش.
في سياق متصل، يضع المجلس الجماعي ضمن أولوياته تعزيز دور الشرطة الإدارية، حسب ما توصلت به "الجريدة 24" من خلال إعادة تأطير اختصاصاتها وتوفير الوسائل اللوجستية اللازمة لعملها، بما في ذلك الزي الرسمي والتجهيزات المعلوماتية.
ويهدف هذا الإجراء إلى تقوية المراقبة الميدانية وضبط المخالفات المرتبطة باستغلال الملك العمومي، مع فرض ضوابط تأديبية صارمة على عناصر الجهاز لضمان الشفافية.
كما تشمل الإصلاحات المرتقبة إطلاق حملات لإزالة المعرقلات العشوائية التي انتشرت في عدد من الأحياء، والتي تحولت إلى مصدر خطر على مستعملي الطريق، إضافة إلى معالجة ظاهرة السيارات المهملة عبر مسطرة قانونية تمنح أصحابها مهلة سبعة أيام قبل اتخاذ الإجراءات اللازمة.
وتعكس هذه الحزمة من دفاتر التحملات توجهاً واضحاً نحو إعادة هيكلة شاملة لمجموعة من المرافق الحيوية، عبر الجمع بين التشديد القانوني وتحديث وسائل التدبير والانفتاح على المقاربة التشاركية.
غير أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بمدى القدرة على التنزيل الفعلي للمقتضيات على أرض الواقع، وتوفير الموارد البشرية واللوجستية الكفيلة بتحقيق الأهداف المعلنة.
وبين رهانات الإصلاح وضغط الانتظارات الاجتماعية، تجد الدار البيضاء نفسها أمام اختبار حقيقي لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، من خلال تحسين جودة الخدمات والارتقاء بالمشهد الحضري، بما ينسجم مع مكانتها كقاطرة اقتصادية للمملكة.