تفوق على الجزائر.. صعود مغربي يعيد رسم التوازنات العسكرية
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الجيوسياسية الإقليمية والدولية، يواصل المغرب تعزيز موقعه كفاعل عسكري صاعد في شمال إفريقيا، عبر استراتيجية شاملة لتحديث قدراته الدفاعية وتطوير جاهزية قواته المسلحة.
ويعكس هذا التوجه تحولا نوعيا في العقيدة العسكرية للمملكة، لم يعد يقتصر على اقتناء العتاد التقليدي، بل يشمل بناء منظومة دفاعية متكاملة ترتكز على التكنولوجيا المتقدمة وتعدد الشراكات الدولية.
وقد شهدت السنوات الأخيرة دينامية متسارعة في مسار تحديث القوات المسلحة الملكية، تجلت في إبرام صفقات عسكرية مع عدد من القوى الدولية، أهمها أمريكا وفرنسا وإسبانيا والبرازيل وتركيا وغيرها، شملت مجالات الطيران الحربي وأنظمة الدفاع الجوي والتجهيزات البرية والبحرية.
ويأتي هذا التوجه في سياق إقليمي معقد، يتسم بتزايد التهديدات الأمنية، خاصة في منطقة الساحل والصحراء، التي تعرف تصاعدا في نشاط الجماعات المسلحة وتناميا في حالة عدم الاستقرار.
وتؤكد تقارير دولية متخصصة، من بينها تقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أن المغرب واصل تعزيز موقعه ضمن كبار مستوردي السلاح عالميا، حيث ارتقى إلى المرتبة 28 خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، مسجلا نموا ملحوظا في وارداته العسكرية.
ويعكس هذا الارتفاع توجها استراتيجيا نحو تحديث الترسانة العسكرية، مع التركيز على الجودة والتكنولوجيا الحديثة.
في المقابل، سجلت الجزائر تراجعا لافتا في وارداتها من السلاح خلال الفترة ذاتها، ما يعكس تحولات في توجهاتها الدفاعية أو تأثرا بالمتغيرات الدولية، خاصة بعد دخولها في صراعات بشأن قضية الصحراء المغربية، الأمر الذي ساهم في تراجع أسهمها دوليا من ناحية العلاقات الدولية.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير متخصصة عن تراجع جاذبية بعض المشاريع العسكرية الروسية، من بينها برنامج الغواصات من فئة “أمور”، الذي لم يتمكن من تحقيق أي صفقات تصدير بسبب تأخره ومشاكله التقنية.
وقد دفع هذا الوضع عددا من الدول، من بينها المغرب، إلى إعادة تقييم خياراتها والتوجه نحو بدائل أكثر جاهزية، خاصة من الأسواق الأوروبية.
ويعكس هذا التوجه حرص الرباط على اعتماد مقاربة حذرة في صفقات التسلح، تقوم على تقييم الجاهزية التقنية والموثوقية العملياتية، بدل الاكتفاء بالوعود النظرية.
كما يبرز في الوقت ذاته تنامي التنافس بين الشركات الدولية للفوز بصفقات في السوق المغربية، التي أصبحت تحظى بأهمية متزايدة في ظل موقعها الجيوستراتيجي.
كما أشارت تقارير إعلامية إلى اهتمام مغربي محتمل باقتناء مقاتلات متقدمة من طراز “سوخوي سو-35”، في خطوة تعكس سعي المملكة إلى تعزيز قدراتها الجوية ومواكبة التحولات في موازين القوى الإقليمية.
ويأتي هذا التوجه في إطار سياسة تنويع الشركاء وتوسيع خيارات التسلح بما يضمن الحفاظ على توازن الردع.
وعلى المستوى البحري، يولي المغرب أهمية متزايدة لتعزيز قدراته تحت سطح البحر، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي المطل على واجهتين بحريتين وقربه من مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويأتي هذا الاهتمام في سياق تزايد التحديات المرتبطة بأمن السواحل وحماية المصالح الاقتصادية.
وفي هذا الإطار، برزت عروض أوروبية، خاصة من فرنسا وألمانيا، لتزويد المغرب بغواصات متطورة، مع مقترحات تتجاوز التوريد التقليدي نحو شراكات صناعية تشمل نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات المحلية.
ويعكس هذا التحول إدراكا متزايدا لأهمية بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية قادرة على دعم الاستقلالية الاستراتيجية.
وتعكس مجمل هذه المعطيات أن المغرب ينخرط في مسار استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى إعادة تشكيل قدراته العسكرية وفق رؤية متكاملة، تستجيب للتحولات الإقليمية والدولية.
وفي ظل عودة سباق التسلح على الصعيد العالمي، يبدو أن المملكة تراهن على تعزيز موقعها كقوة إقليمية وازنة، قادرة على التكيف مع بيئة دولية متقلبة، وضمان أمنها ومصالحها الحيوية.