أزمة المهاجرين تتصاعد.. تدخل ميداني بالدار البيضاء ومساءلة برلمانية
تشهد مدينة الدار البيضاء خلال الأيام الأخيرة حالة استنفار محلية متصاعدة، في ظل تزايد الشكايات التي عبّر عنها سكان عدد من الأحياء الشعبية بشأن ما وصفوه بارتفاع السلوكات المزعجة وتكرار الصدامات المرتبطة بتجمعات مهاجرين منحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وهو وضع أعاد إلى الواجهة إشكالية تدبير التعايش داخل الفضاءات الحضرية الكبرى.
وتفيد معطيات ميدانية بأن هذه الشكايات لم تعد تقتصر على تعبيرات فردية معزولة، بل تحولت إلى مؤشرات على احتقان اجتماعي متنامٍ، دفع السلطات المحلية إلى التحرك عبر إطلاق عمليات ميدانية تهدف إلى إعادة فرض النظام داخل عدد من المناطق التي شهدت خلال الفترة الأخيرة توترات متكررة واحتكاكات شبه يومية بين السكان وبعض المهاجرين، ما أثر على الإحساس العام بالأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق، رفعت السلطات من وتيرة تدخلاتها، حيث أشرفت على تنظيم عمليات تجميع ونقل أعداد من المهاجرين خارج المدينة، في إطار حملة وصفت بالمنظمة، استهدفت بشكل أساسي الأحياء التي تعرف كثافة في تواجد هذه الفئة، خاصة تلك التي سُجلت فيها حالات احتقان اجتماعي متزايدة، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط وإعادة التوازن إلى الفضاءات الحضرية المعنية.
وتأتي هذه التطورات امتدادا لتراكم شكايات سابقة صادرة عن سكان أحياء مثل درب ميلان وأولاد زيان، إلى جانب ما يُعرف بـ”المقبرة المنسية”، وهي مناطق تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نقاط تجمع بارزة لمهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في ظل غياب حلول هيكلية مستدامة قادرة على تأطير وجودهم وضمان اندماجهم في النسيج الاجتماعي المحلي.
بالموازاة مع ذلك، دخل النقاش إلى الواجهة السياسية، إذ تقدمت ثورية عفيف، عضو المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، بسؤال كتابي موجه إلى عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، حول تداعيات عمليات ترحيل مهاجرين غير نظاميين من مدينة الدار البيضاء إلى مدن أخرى، من بينها وادي زم.
وأوضحت النائبة البرلمانية، في معرض سؤالها، أن بعض هذه التحركات رافقتها مظاهر توتر ميداني، من قبيل عرقلة حركة السير عبر وضع الحجارة على الطرق، وهو ما تسبب في اضطراب السير العادي للحياة اليومية وأثار مخاوف لدى الساكنة المحلية بشأن النظام العام وسلامة المواطنين، خاصة في ظل حساسية السياق الاجتماعي الذي يطبع هذه المناطق.
وطالبت عفيف بالكشف عن الإجراءات العاجلة التي تعتزم وزارة الداخلية اتخاذها من أجل إعادة الوضع إلى طبيعته وضمان حماية الساكنة من أي مخاطر محتملة، مؤكدة على ضرورة التدخل وفق مقاربة متوازنة تراعي الأمن والاستقرار دون الإخلال بالاعتبارات الإنسانية المرتبطة بوضعية المهاجرين.
كما أثارت في السياق ذاته تساؤلات حول الاستراتيجية المعتمدة في تدبير عمليات ترحيل المهاجرين بين المدن، داعية إلى تبني مقاربة شمولية تضمن حفظ كرامتهم وتحد من مظاهر الاحتكاك الاجتماعي، مع العمل على تيسير إدماجهم حيثما أمكن أو توفير حلول مؤقتة بديلة تراعي الجوانب الاجتماعية والإنسانية قبل اللجوء إلى خيار الترحيل.
وتطرح هذه التطورات تحديات مركبة أمام مختلف المتدخلين، إذ يتداخل فيها البعد الأمني مع الاجتماعي والإنساني، في ظل الحاجة إلى إيجاد توازن دقيق بين متطلبات حفظ النظام العام وضمان حقوق الأفراد، وهو ما يجعل من تدبير هذا الملف أحد أبرز الاختبارات المطروحة على مستوى السياسات العمومية الحضرية، خاصة في المدن الكبرى التي تعرف ديناميات ديمغرافية متسارعة وتنوعا اجتماعيا متزايدا.