آخر دورة برلمانية.. المعارضة تدفع الحكومة إلى زمن الحساب السياسي
افتتح مجلس النواب، اليوم، أشغال الدورة الربيعية الأخيرة من الولاية التشريعية الحالية، في سياق سياسي يتسم بحساسية خاصة، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 من شتنبر المقبل، وهي محطة حاسمة تضع مختلف الفاعلين السياسيين أمام سباق مع الزمن من أجل استكمال ما تبقى من الأوراش التشريعية وتقديم حصيلة حكومية واضحة وقابلة للتقييم، في ظل تصاعد مطالب الرأي العام بربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتأتي هذه الدورة في ظرفية يطغى عليها منطق التقييم السياسي، حيث تدخل الحكومة مرحلة دقيقة توصف داخل الأوساط السياسية بـ“زمن الحساب”، وهي مرحلة تفرض تقديم معطيات دقيقة بشأن مدى تنفيذ الالتزامات التي تم التعهد بها في البرنامج الحكومي، خاصة تلك المرتبطة بإحداث فرص الشغل وتحسين المؤشرات الاجتماعية، في وقت لا تزال فيه نسب البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب، تثير الكثير من التساؤلات، إلى جانب التحديات المرتبطة بالقدرة الشرائية وتداعيات الظرفية الاقتصادية الدولية.
وفي هذا السياق، يتوقع أن يشهد العمل البرلماني خلال هذه الدورة إيقاعاً متسارعاً، بالنظر إلى محدودية الزمن المتبقي من عمر الولاية التشريعية، حيث سيكون البرلمان مطالباً بالتوفيق بين استكمال المسار التشريعي وتعزيز آليات الرقابة على العمل الحكومي، بما يضمن أداءً متوازناً يعكس الدور الدستوري للمؤسسة التشريعية في إنتاج القوانين ومساءلة السلطة التنفيذية.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن أجواء هذه الدورة ستكون مشحونة بنقاشات سياسية حادة بين مكونات الأغلبية والمعارضة، في ظل توجه متزايد نحو اعتماد لغة الأرقام والمؤشرات في تقييم السياسات العمومية، خاصة في القطاعات الاجتماعية والاقتصادية التي تحظى باهتمام واسع لدى المواطنين، وعلى رأسها التشغيل والحماية الاجتماعية وغلاء المعيشة، وهي ملفات مرشحة لأن تكون في صلب الجدل البرلماني خلال المرحلة المقبلة.
وتراهن المعارضة البرلمانية على تحويل هذه الدورة إلى محطة للمساءلة السياسية المكثفة، من خلال تسليط الضوء على حصيلة الحكومة ومقارنتها بالتعهدات المعلنة في بداية الولاية، مع التركيز على إبراز مكامن الاختلال والتأخر في تنزيل عدد من الإصلاحات.
وهو ما يعكس توجها نحو رفع منسوب الضغط السياسي داخل المؤسسة التشريعية، في أفق إعادة ترتيب موازين القوى قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وأكد عدد من نواب المعارضة، في تصريحات صحفية على هامش افتتاح الدورة الربيعية، أن الأخيرة ستكتسي طابعا تقييميا ومحاسباتيا، انسجاماً مع روح الدستور الذي يكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مشددين على ضرورة تقديم تقييم شامل يتضمن مختلف جوانب الأداء الحكومي، سواء ما يتعلق بالإنجازات أو الإخفاقات، مع اعتماد معايير دقيقة وموضوعية في قراءة الأرقام والمؤشرات.
كما عبّر هؤلاء عن عزمهم استثمار هذه الدورة لتكثيف المبادرات الرقابية، من خلال توجيه الأسئلة الشفوية والكتابية، وطلب عقد لجان استطلاعية، إلى جانب إثارة ملفات القوانين التي تم سحبها من البرلمان دون إعادة طرحها رغم الوعود الحكومية، وهو ما يطرح، بحسبهم، إشكالاً يتعلق بمدى التزام الحكومة بتعهداتها التشريعية.
ومن بين القضايا التي يتوقع أن تحظى بنقاش واسع خلال هذه الدورة، تلك المرتبطة بالإصلاحات الهيكلية الكبرى، وعلى رأسها إصلاح أنظمة التقاعد ومدونة الشغل، وهي أوراش ظلت مؤجلة لسنوات، وتطرح اليوم بإلحاح في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، ما يجعل من معالجتها اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على اتخاذ قرارات إصلاحية جريئة ومتوازنة.
وفي مقابل هذا التصعيد المرتقب من طرف المعارضة، ينتظر أن تدافع مكونات الأغلبية عن حصيلتها الحكومية، من خلال إبراز ما تحقق من برامج وإصلاحات خلال الولاية الحالية، والتأكيد على صعوبة الظرفية الدولية التي أثرت على عدد من المؤشرات الاقتصادية.
وهو ما ينذر بمواجهات سياسية قوية داخل قبة البرلمان، ستطبع ما تبقى من عمر هذه الولاية.
ومع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، تبدو هذه الدورة بمثابة لحظة سياسية فاصلة، ليس فقط لتقييم الأداء الحكومي، بل أيضاً لتحديد ملامح المرحلة المقبلة، في ظل سعي مختلف الأحزاب إلى تعزيز مواقعها الانتخابية.