بنكيران: التعاطي مع غلاء المحروقات يجب أن يكون بعقلانية لا بالاحتجاج
عاد ملف أسعار المحروقات في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي بقوة، على وقع زيادات متتالية وُصفت بالملموسة، ما أعاد إلى الواجهة أسئلة عميقة حول نجاعة السياسات العمومية المعتمدة في تدبير قطاع استراتيجي يرتبط بشكل مباشر بالقدرة الشرائية للمواطنين وبكلفة الإنتاج والنقل.
ويأتي هذا الجدل في سياق اقتصادي دقيق، تتداخل فيه العوامل الداخلية المرتبطة ببنية السوق الوطنية، مع التحولات المتسارعة التي تعرفها الأسواق الدولية للطاقة.
وتتسم الظرفية الراهنة بارتفاع حدة التقلبات في أسعار النفط على الصعيد العالمي، غير أن انعكاساتها داخل السوق المغربية أثارت موجة انتقادات متزايدة، خاصة في ظل استمرار العمل بنظام تحرير أسعار المحروقات الذي أُقر قبل سنوات.
وقد خلفت الزيادات الأخيرة في أسعار الغازوال والبنزين حالة من الاستياء الواسع في أوساط المواطنين، حيث انعكست بشكل مباشر على تكاليف النقل وأسعار عدد من المواد الأساسية، مما زاد من حدة الضغوط المعيشية، خاصة لدى الفئات الهشة والمتوسطة.
كما امتدت تداعيات هذه الزيادات إلى قطاعات إنتاجية متعددة، ما جعلها موضوعا مركزيا في النقاش السياسي والنقابي، وسط دعوات متصاعدة لإعادة النظر في المنظومة الحالية لتسعير المحروقات.
وفي خضم هذا الجدل، برزت مواقف متباينة داخل المشهد السياسي، حيث فجّر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، نقاشاً واسعاً بعد تصريحه الذي اعتبر فيه أن الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات “مفهومة”، معتبراً أنها تأتي في سياق ما وصفه بـ“أزمة كونية” تؤثر على مختلف اقتصادات العالم.
وأوضح بنكيران، يوم أمس السبت، خلال اجتماع حزبي خصص لإعداد البرنامج الانتخابي، أن التعاطي مع ملف المحروقات لا ينبغي أن ينجر وراء ما وصفه بـ“الخطاب الشعبوي”، داعياً إلى تبني مقاربة عقلانية تأخذ بعين الاعتبار طبيعة التحولات الاقتصادية العالمية.
وأكد أن الإشكال لا يكمن فقط في حدوث الزيادة، بل في فهم سياقها وتقييم الإجراءات المرافقة لها، مشيراً إلى أن أي نقاش مسؤول يجب أن يستند إلى معطيات دقيقة وليس إلى ردود فعل ظرفية.
وفي السياق ذاته، دافع المسؤول الحزبي عن الإصلاحات التي همّت صندوق المقاصة خلال فترة توليه رئاسة الحكومة، معتبراً أنها كانت ضرورية رغم كلفتها الاجتماعية، مبرزاً أن نظام الدعم السابق كان يشوبه اختلال كبير، حيث كانت تستفيد منه جهات محددة بشكل غير متكافئ.
وأشار إلى أن وجود مظاهر الريع داخل بعض القطاعات يظل إشكالاً قائماً يتطلب معالجات هيكلية تتجاوز الحلول الظرفية.
وفي مقابل هذا الطرح، ارتفعت أصوات سياسية ونقابية تطالب بإلغاء تحرير أسعار المحروقات أو على الأقل مراجعته بشكل شامل، معتبرة أن الوضع الحالي يكرس اختلالات بنيوية داخل السوق ويحد من قدرة الدولة على التدخل لحماية المستهلك.
كما دعت هذه الأطراف إلى ضرورة إرساء آليات شفافة لتحديد الأسعار، وربطها بشكل أوضح بتطورات السوق الدولية، بما يضمن قدراً أكبر من الإنصاف والوضوح.