أزمة النقل الصحي تطوق الجماعات الترابية مع اقتراب نهاية الولاية

الكاتب : انس شريد

12 أبريل 2026 - 10:00
الخط :

تواجه خدمات النقل الصحي على مستوى الجماعات الترابية بالمغرب تحديات متزايدة مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية الحالية، في ظل اختلالات بنيوية باتت تؤثر بشكل مباشر على جودة التكفل بالمرضى والجرحى، وتطرح تساؤلات عميقة حول نجاعة التدبير المحلي لهذا المرفق الحيوي الذي يرتبط بشكل وثيق بضمان الكرامة الإنسانية في الحالات الاستعجالية.

وعلى الرغم من الإعلان المتكرر عن تخصيص اعتمادات مالية مهمة لاقتناء سيارات الإسعاف وتعزيز الأسطول اللوجستيكي، فإن الواقع الميداني يكشف عن مفارقة واضحة بين الإمكانيات المتوفرة وحجم الخدمات المقدمة، وهو ما يضع المنتخبين المحليين تحت ضغط اجتماعي متزايد.

وتبرز حدة هذه الأزمة بشكل أكبر في ظل الخصاص المسجل على مستوى الموارد البشرية المؤهلة، حيث تحولت العديد من سيارات الإسعاف إلى مجرد وسائل نقل تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط التكفل الطبي، نتيجة غياب تقنيي الإسعاف والممرضين المتخصصين.

وفي هذا السياق، دخل البرلمان على خط هذا النقاش، بعدما وجه المستشار البرلماني خالد السطي، عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، سؤالا كتابيا إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، سلط فيه الضوء على الاختلالات التي يعرفها هذا القطاع داخل عدد من الجماعات الترابية.

وأشار السطي في سؤاله إلى أن عدداً من الجماعات تتوفر على سيارات إسعاف، لكنها تعاني في المقابل من نقص حاد في تقنيي الإسعاف الصحي، وهو ما ينعكس سلباً على جودة الخدمات المقدمة، خاصة في الحالات المستعجلة التي تتطلب تدخلاً مهنياً سريعاً يستجيب لمعايير السلامة والتكفل الطبي.

كما اعتبر أن غياب الأطر المؤهلة يحول هذا المرفق إلى خدمة شكلية لا ترقى إلى تطلعات المواطنين، بل قد تشكل خطراً في بعض الحالات الحرجة.

وطالب المستشار البرلماني وزارة الداخلية بالكشف عن التدابير التي تعتزم اتخاذها لتأطير وتنظيم هذا القطاع، مع تسريع الإجراءات الكفيلة بسد الخصاص المسجل في الموارد البشرية، وضمان تقديم خدمات نقل صحي آمنة وفعالة، تحترم كرامة المرتفقين وتستجيب للمعايير المهنية المعتمدة.

وفي خضم هذا النقاش، برزت تجربة جماعة الدار البيضاء كنموذج يسعى إلى إعادة هيكلة هذا المرفق من خلال اعتماد دفتر تحملات جديد يؤطر شروط التدبير المفوض لنقل المرضى والجرحى، واضعاً قواعد تنظيمية دقيقة تروم مأسسة القطاع وإخضاعه لمنطق الحكامة.

ويحدد هذا الإطار الجديد سقف عدد المستغلين في ثلاثين فاعلاً كحد أقصى، يتم اختيارهم وفق مبدأ المنافسة، مع اشتراط التوفر على تجربة مهنية لا تقل عن خمس سنوات، والحصول على التراخيص اللازمة لمزاولة النشاط داخل المجال الترابي للجماعة.

كما ينص دفتر التحملات على تحديد تعريفة قصوى للخدمات داخل المجال الحضري، حيث تم تحديد 500 درهم لنقل المرضى من المنازل إلى المستشفيات أو المصحات، و400 درهم لنقلهم بين المؤسسات الصحية، في حين تم اعتماد تسعيرة متدرجة خارج المجال الحضري تتراوح بين 9 و7 دراهم للكيلومتر حسب المسافة، مع احتساب الذهاب والإياب.

ويلزم هذا الإطار التنظيمي المفوض لهم بإشهار التعريفات داخل سيارات الإسعاف وتسليم وصولات للمرتفقين، بما يعزز الشفافية ويحد من التجاوزات.

وعلى مستوى الموارد البشرية، يفرض دفتر التحملات معايير صارمة تلزم المستغلين بتوفير طواقم مؤهلة تضم ممرضين أو حاصلين على شهادات في الإسعاف، مع إمكانية الاستعانة بأطباء في الحالات الحرجة، إضافة إلى إخضاع العاملين لمراقبة صحية دورية كل ستة أشهر.

كما يشترط توفير أسطول لا يقل عن أربع سيارات إسعاف لكل مستغل، لا يتجاوز عمرها خمس سنوات، ومجهزة بمعدات طبية أساسية تشمل أجهزة الأوكسجين وقياس الضغط ومستلزمات التثبيت، فضلاً عن تجهيزات تقنية تضمن سرعة التدخل وفعاليته.

وفي جانب المراقبة، تم إقرار نظام زجري يحدد غرامات مالية تتراوح بين 500 و2000 درهم حسب طبيعة المخالفة، مع إمكانية اقتطاع ما يصل إلى 10 في المائة من الإتاوة الشهرية في حالات الإخلال الجسيم، فضلاً عن فسخ العقد في الحالات الخطيرة، وذلك بهدف ضمان احترام بنود التعاقد وتحقيق جودة الخدمة.

غير أن هذه المبادرات التنظيمية، رغم أهميتها، تصطدم بإشكال أعمق يرتبط بضعف استثمار الكفاءات المتوفرة في مجال الإسعاف الصحي، حيث سبق لـ النقابة الوطنية للصحة، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن نبهت إلى استمرار بطالة أزيد من 250 تقنياً في الإسعاف والنقل الصحي، رغم الخصاص الحاد الذي تعرفه المؤسسات الصحية.

كما انتقدت لجوء بعض المراكز الاستشفائية الجامعية إلى التعاقد مع شركات مناولة توفر سائقين غير مؤهلين، بدل إدماج هذه الكفاءات التي خضعت لتكوين متخصص يمتد لسنتين.

ودعت الهيئات النقابية إلى اعتماد مقاربة شمولية تقوم على ربط التكوين بالتوظيف المباشر، وتخصيص مناصب مالية قارة لهذه الفئة، بما يضمن سد الخصاص وتحسين جودة الخدمات الصحية، خاصة في المسالك الاستعجالية التي تتطلب جاهزية عالية وتدخلاً مهنياً دقيقاً.

وفي ظل هذه المعطيات، يظل مرفق النقل الصحي واحدا من أبرز التحديات المطروحة أمام الجماعات الترابية، خصوصا مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية، حيث تتزايد انتظارات المواطنين في الحصول على خدمات عمومية لائقة تستجيب لمتطلبات الكرامة والسلامة.

وبين محاولات الإصلاح المحدودة وضغط الواقع، يبقى الرهان معقوداً على إرساء نموذج تدبيري متكامل يوازن بين توفير الإمكانيات المادية وتأهيل الموارد البشرية، بما يضمن استدامة هذا المرفق الحيوي وتحسين أدائه في مختلف الظروف.

آخر الأخبار