نقاش حاد في البرلمان بسبب تكرار طرح القضايا المحلية خلال الجلسات العامة
أثارت جلسة الأسئلة الشفوية الأسبوعية بمجلس النواب، المنعقدة اليوم الإثنين في مستهل الدورة الربيعية الأخيرة من الولاية التشريعية الحالية، نقاشاً سياسياً حاداً بين مكونات المؤسسة التشريعية، بعدما طُرح مجدداً موضوع حدود إثارة القضايا ذات الطابع المحلي داخل الجلسات العامة المخصصة لمساءلة الحكومة حول السياسات العمومية الوطنية.
وقد أعاد هذا الجدل إلى الواجهة إشكالية التوازن بين تمثيل النواب لانشغالات دوائرهم الانتخابية، واحترام الضوابط القانونية المؤطرة لطبيعة الأسئلة الشفوية.
وبرزت خلال مجريات الجلسة ملاحظات متزايدة من طرف عدد من النواب بشأن لجوء بعض المتدخلين إلى طرح ملفات محلية دقيقة داخل فضاء يفترض أن يخصص لمناقشة قضايا وطنية كبرى، وهو ما اعتبره منتقدو هذا التوجه خروجاً عن فلسفة الأسئلة الشفوية كما ينص عليها النظام الداخلي للمجلس.
في المقابل، يرى آخرون أن النائب البرلماني يظل ملزماً بنقل هموم المواطنين على اختلاف مستوياتها، بما في ذلك القضايا المحلية التي تعكس واقع السياسات العمومية على الأرض.
ولم يمر هذا النقاش دون رد فعل من رئاسة الجلسة التي كان يترأسها نائب رئيس مجلس النواب، إدريس اشطيبي، حيث عبّر عن امتعاضه من استمرار طرح مثل هذه المواضيع داخل الجلسات العامة، مؤكداً أن هناك مقتضيات قانونية واضحة تمنع إدراج أسئلة ذات طابع محلي ضمن جدول أعمال الأسئلة الشفوية.
وشدد في تدخل حازم على أن عدداً من النواب يلتزمون بهذا الإطار القانوني، معتبراً أن الاستمرار في طرح قضايا محلية يخلق حالة من التناقض داخل المؤسسة التشريعية.
وأوضح اشطيبي أن الإشكال المطروح يضع رئاسة الجلسة أمام خيارين لا ثالث لهما، يتمثلان إما في التطبيق الصارم لمقتضيات النظام الداخلي على جميع النواب دون استثناء، أو فتح نقاش مؤسساتي داخل أجهزة المجلس من أجل تعديل هذه المقتضيات بما ينسجم مع تطور الممارسة البرلمانية.
وأضاف أن الاستمرار في ما وصفه بـ"الوضع المختلط" من شأنه أن يسيء إلى وضوح العمل البرلماني ويؤثر على مصداقية المؤسسة لدى الرأي العام.
وأكد نائب رئيس مجلس النواب أن احترام القانون يظل مسؤولية جماعية، مبرزاً أن رئاسة الجلسة ملزمة بالسهر على تطبيقه وعدم السماح بأي خرق واضح لمقتضياته، لما لذلك من انعكاسات سلبية على صورة المؤسسة التشريعية.
كما أشار إلى أن الارتقاء بأداء البرلمان يمر عبر الالتزام الصارم بالقواعد المنظمة، انسجاماً مع التوجيهات الملكية الداعية إلى تخليق الحياة السياسية وتحسين جودة العمل البرلماني.
في المقابل، أثارت تدخلات رئيس الجلسة ردود فعل متباينة داخل القاعة، حيث عبّر عدد من النواب، من الأغلبية والمعارضة، عن تحفظهم على أسلوب التعقيب على مداخلاتهم، معتبرين أن ذلك قد يتجاوز في بعض الأحيان الدور التنظيمي لرئاسة الجلسة.
وفي هذا السياق، عبّر عضو فريق الأصالة والمعاصرة، عبد الرحيم بوعزة، عن استيائه من هذه التدخلات، داعياً إلى مناقشة مثل هذه الإشكالات داخل مكتب مجلس النواب بدل طرحها بشكل متكرر خلال الجلسات العامة.
وأشار بوعزة إلى أن رئيس الجلسة، بحكم عضويته في مكتب المجلس، مطالب بطرح هذه القضايا داخل الإطار المؤسساتي المناسب لاتخاذ القرار الملائم بشأنها، بدل الاكتفاء بالتعليق عليها خلال سير الجلسة. واعتبر أن تكرار هذا النقاش دون حسم واضح لا يساهم في تحسين صورة المؤسسة التشريعية لدى الرأي العام، بل قد يعمق الانطباعات السلبية حول أدائها.
من جانبه، رد إدريس اشطيبي على هذه الانتقادات بالتأكيد على أنه يترأس الجلسة بهدف تطبيق القانون وضمان احترام النظام الداخلي، مشدداً على أنه لا يمكن لرئاسة الجلسة أن تظل في موقع المتفرج إزاء ما يجري داخل الجلسة دون التدخل عند تسجيل أي تجاوز.
كما استحضر في هذا السياق مضامين الرسالة الملكية الموجهة إلى البرلمانيين بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس البرلمان، والتي دعت إلى تجويد أداء النخب البرلمانية والارتقاء بمستوى العمل التشريعي.
ويعكس هذا الجدل المتجدد داخل مجلس النواب إشكالية بنيوية تتعلق بطبيعة الأدوار المنتظرة من النائب البرلماني، بين تمثيل المصالح المحلية للناخبين والانخراط في مناقشة السياسات العمومية ذات البعد الوطني.
كما يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة الإطار القانوني الحالي لتنظيم عمل الجلسات العامة، في ظل التحولات التي تعرفها الممارسة البرلمانية وتزايد انتظارات المواطنين من ممثليهم.