اتهامات بتوظيف انتخابي لمشاريع الطرق.. وبركة يؤكد أولوية فك العزلة
عاد ملف البنيات التحتية الطرقية في العالم القروي ليفرض نفسه بقوة داخل مجلس النواب، في سياق سياسي يتسم بتصاعد حدة النقاش حول حصيلة الأداء الحكومي مع اقتراب نهاية الولاية الحالية، حيث وجد وزير التجهيز والماء، نزار بركة، نفسه في مواجهة انتقادات حادة واتهامات مباشرة بربط برمجة مشاريع صيانة الطرق القروية بحسابات حزبية وانتخابية، وهي الاتهامات التي حرص على نفيها بشكل قاطع، مؤكداً أن عمل وزارته يستند إلى معايير تقنية ومجالية واضحة.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية المنعقدة يوم الإثنين 13 أبريل 2026، أثار الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية إشكالية المعايير المعتمدة في تنزيل برنامج صيانة الطرق القروية، الذي تعهدت الوزارة في إطاره بإصلاح ما يصل إلى 500 كيلومتر سنوياً، متسائلاً عن مدى خضوع هذه البرمجة لمنطق موضوعي يراعي الأولويات التنموية، أو لاعتبارات سياسية وانتخابية قد تؤثر على توزيع المشاريع بين الأقاليم.
المنحى ذاته سلكه فريق التقدم والاشتراكية، الذي عبر عن استغرابه مما اعتبره انتقالاً مفاجئاً من “حالة ركود” إلى “نشاط مكثف” في إطلاق مشاريع الطرق، متسائلاً عما إذا كان هذا التحول مرتبطاً بدينامية انتخابية تفرض إيقاعها على عمل القطاعات الحكومية، في وقت تتزايد فيه المطالب بتكريس الشفافية والعدالة المجالية في توزيع الاستثمارات العمومية.
ولم تقتصر الانتقادات على فرق المعارضة، إذ عبر عدد من النواب عن قلقهم من محدودية نصيب بعض الأقاليم من هذه المشاريع، معتبرين أن العديد من المناطق القروية لا تزال تعاني من هشاشة كبيرة في بنيتها الطرقية، حيث تحولت بعض المسالك إلى طرق غير صالحة للاستعمال، أو أنجزت بجودة متدنية لا تستجيب لحاجيات الساكنة، خاصة في ظل تزايد الضغط الناتج عن استعمالها اليومي من قبل وسائل النقل المدرسي وسيارات الإسعاف ونقل المستخدمين.
وفي هذا السياق، شدد برلمانيون على ضرورة اعتماد مقاربة أكثر إنصافاً تضمن توزيعاً متوازناً للمشاريع بين مختلف الجهات، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر تضرراً، لا سيما تلك التي تفاقمت أوضاعها نتيجة الفيضانات الأخيرة التي شهدتها عدة أقاليم، وما خلفته من أضرار على مستوى البنية التحتية الطرقية.
من جهتها، ذهبت النائبة البرلمانية عن فريق التقدم والاشتراكية، مريم وحساة، إلى توجيه اتهامات مباشرة لوزارة التجهيز والماء، معتبرة أن برمجة عدد من مشاريع الطرق القروية تخضع لمنطق “الزبونية الحزبية”، في تناقض مع مبادئ الحكامة الجيدة والتصريحات الرسمية التي تؤكد اعتماد معايير موضوعية في اختيار المشاريع.
وأوضحت أن هذه الاختلالات سبق أن أثارتها خلال مناقشة الميزانية الفرعية للوزارة، قبل أن تعود لتجدد التأكيد عليها في ضوء المعطيات الحالية.
وأضافت أن ما يثير الاستغراب هو إطلاق مشاريع تتعلق بطرق غير مصنفة، في غياب اتفاقيات واضحة مع الجماعات الترابية والجهات والمجالس الإقليمية، معتبرة أن ذلك يطرح تساؤلات جدية حول مساطر اتخاذ القرار داخل الوزارة، والجهات التي تحدد الأولويات، والمعايير المعتمدة في هذا الإطار، وما إذا كانت ترتكز على مؤشرات الهشاشة وفك العزلة، أم على اعتبارات انتخابية ضيقة.
واستدلت النائبة بحالة إقليم بني ملال، معتبرة إياه نموذجاً يعكس هذه الاختلالات، معبرة عن استعدادها لتقديم وثائق تدعم ما ذهبت إليه، كما انتقدت ما وصفته بتكرار نفس الأشغال على نفس المقاطع الطرقية دون تحقيق أثر فعلي على مستوى فك العزلة، متسائلة عن أسباب هذا التحول في وتيرة العمل، وما إذا كان مرتبطاً بقرب الاستحقاقات الانتخابية.
في المقابل، دافعت النائبة عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، مديحة خيير، عن حصيلة الوزارة، معتبرة أن الحديث عن منطق حزبي في توزيع المشاريع لا يستقيم مع الواقع، مشيرة إلى أن إقليم بني ملال، الذي تم الاستشهاد به، يضم جماعات تترأسها أطياف سياسية متعددة، وأن حزب الاستقلال لا يسير سوى جماعة واحدة، في حين استفادت عدة جماعات من برامج الوزارة، وهو ما يعكس، حسب قولها، طابعاً وطنياً شاملاً لهذه المشاريع.
غير أن هذا التدخل لم يخلُ من توتر داخل الجلسة، حيث تدخل رئيس الجلسة للتأكيد على ضرورة الفصل بين الصفة الحكومية والانتماء الحزبي، مذكراً بأن الوزير يمثل كافة المغاربة داخل المؤسسة التشريعية، وأن النقاش ينبغي أن يظل في إطار تقييم السياسات العمومية بعيداً عن التراشق الحزبي.
وفي رده على مجمل هذه الانتقادات، أكد نزار بركة أن وزارته تشتغل وفق رؤية واضحة تستهدف تقليص الفوارق المجالية وتعزيز الربط الطرقي بالعالم القروي، معتبراً أن إثارة هذه الاتهامات تندرج في سياق سياسي يتسم بارتفاع منسوب التنافس مع اقتراب الانتخابات.
مشدداً على أن العمل الحكومي يظل مبنياً على معايير موضوعية وشفافة.
واستعرض الوزير حصيلة تدخلات الوزارة، مشيراً إلى أنه تم منذ بداية الولاية تأهيل ما يفوق 5800 كيلومتر من الطرق القروية المصنفة، مع التركيز على المناطق التي تعاني من العزلة، كما أبرز إطلاق برنامج جديد لصيانة الطرق منذ سنة 2024، في إطار مواصلة الجهود الرامية إلى تحسين جودة الشبكة الطرقية بالعالم القروي.
وأوضح أن تدخل الوزارة يقتصر على صيانة الطرق التي أنجزت في إطار البرنامج الوطني للطرق القروية في مراحله السابقة، في حين تظل الطرق المنجزة من طرف قطاعات أخرى أو الجماعات الترابية خارج هذا الإطار، مؤكداً أن التنسيق مع مختلف الفاعلين يظل ضرورياً لضمان نجاعة التدخلات.
وفي ما يتعلق بالأضرار التي خلفتها الفيضانات الأخيرة، أكد المسؤول الحكومي أن برنامج صيانة الطرق يشمل كافة المناطق المتضررة، سواء تلك التي تم تصنيفها ضمن المناطق المنكوبة أو غيرها، مشيراً إلى تخصيص غلاف مالي مهم لهذا الغرض، مع انطلاق طلبات العروض لتنزيل المشاريع ابتداء من شهر أبريل.
كما أشار إلى أن نسبة مهمة من الميزانية المخصصة للطرق توجه لأعمال الصيانة، في محاولة للحفاظ على استدامة البنية التحتية وتحسين مردوديتها، مبرزاً في الوقت ذاته عدداً من المشاريع الكبرى التي تعمل الوزارة على إنجازها لتعزيز الربط الطرقي بين الجهات، وتقوية الشبكة الوطنية للطرق السيارة والسريعة.
ويعكس هذا النقاش البرلماني، في عمقه، إشكالية التوازن بين متطلبات التنمية المجالية وضغوط السياق السياسي، حيث تتقاطع رهانات فك العزلة عن العالم القروي مع إكراهات التمويل وتحديات الحكامة، في ظل مطالب متزايدة بضمان عدالة ترابية حقيقية في توزيع المشاريع العمومية.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن ملف الطرق القروية مرشح لمزيد من الجدل، باعتباره أحد المؤشرات الأساسية على نجاعة السياسات العمومية وقدرتها على الاستجابة لحاجيات الساكنة، خصوصاً في المناطق التي لا تزال تعاني من الهشاشة والعزلة، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرتها على تحقيق توازن بين الفعالية التنموية والحياد السياسي في تدبير هذا الورش الحيوي.