هل يتحول المغرب إلى محور إقليمي في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية بإفريقيا؟
في سياق دولي يتسم بتعقد التوازنات الأمنية وتصاعد حدة التنافس بين القوى الكبرى، تتجه العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة نحو مرحلة متقدمة من التقارب الاستراتيجي، مدفوعة بتقاطع المصالح وتعزيز التعاون في مجالات متعددة، على رأسها المجالان العسكري والأمني.
ويعكس هذا المسار دينامية متواصلة في الشراكة بين البلدين، التي لم تعد تقتصر على التنسيق السياسي، بل باتت تشمل مستويات متقدمة من التكامل العملياتي وتبادل الخبرات العسكرية.
ويبرز التعاون الدفاعي كأحد أبرز تجليات هذا التقارب، حيث شهد خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا من خلال صفقات التسلح، وتحديث القدرات العسكرية، والانخراط في برامج مشتركة تهدف إلى رفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الأمنية الإقليمية.
وفي هذا الإطار، يكتسب إدماج المغرب ضمن منظومة Link-16 دلالة خاصة، باعتباره مؤشرا على انتقال الشراكة العسكرية إلى مستوى أكثر تقدما، يقوم على تبادل البيانات العملياتية في الزمن الحقيقي وفق معايير تكنولوجية معتمدة لدى جيوش الدول المتقدمة.
وكشفت تقارير متخصصة في الشأن العسكري أن هذا التطور لم يأتِ بشكل معزول، بل يندرج ضمن مسار متدرج من تعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة في البلدين، حيث جرى خلال التحضيرات المرتبطة بمناورات الأسد الإفريقي 2026 تنفيذ أول اختبار للتشغيل البيني للاتصالات المشفرة، ما أتاح التحقق من قدرة الجانبين على تبادل المعلومات العسكرية بشكل مباشر وآمن، سواء عبر الرسائل النصية أو الاتصالات الصوتية عالية التردد.
ووفق المصادر ذاتها، فقد أسفر هذا الاختبار عن نتائج إيجابية، تمثلت في نجاح تأمين قنوات الاتصال عبر نظام Link-16، إلى جانب إرساء ربط فعال بين تجهيزات تكتيكية مغربية وأمريكية، الأمر الذي مكّن من تبادل المعطيات الميدانية في الزمن الحقيقي، وهو ما يمثل خطوة نوعية في مسار تطوير القدرات العملياتية المشتركة.
ولا يقتصر هذا التعاون على الجانب التقني، حسب التقارير ذاتها، بل يمتد إلى مشاريع ذات بعد إقليمي، من بينها التوجه نحو إنشاء مركز تدريب متخصص في تشغيل الطائرات بدون طيار بالمغرب، لفائدة عدد من الدول الإفريقية.
ويأتي هذا المشروع في إطار استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى دعم القدرات الدفاعية في القارة وتعزيز التنسيق بين الشركاء الإقليميين في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، مثل الإرهاب والجريمة المنظمة.
ومن المرتقب أن يشكل هذا المركز منصة لتبادل الخبرات وتطوير المهارات التقنية، من خلال برامج تدريبية مشتركة تعتمد على مقاربة تشاركية، تتيح للدول المستفيدة تحديد أولوياتها الأمنية والاستفادة من الموارد التكنولوجية المتاحة. كما يُنتظر أن يسهم في إرساء نموذج قابل للتوسع في مناطق إفريقية أخرى، بما يعزز من فعالية التعاون متعدد الأطراف في المجال العسكري.
كما تتزايد التكهنات حسب التقارير الإعلامية الامريكية، بشأن إمكانية إعادة هيكلة الحضور العسكري الأمريكي في القارة الإفريقية، بما في ذلك إحداث قيادة مستقلة مخصصة للعمليات في إفريقيا، وسط تداول اسم المغرب كأحد الخيارات المحتملة لاستضافة هذا المقر.
ويعكس هذا الطرح، في حال تحققه، مستوى الثقة الاستراتيجية التي تحظى بها المملكة، فضلا عن موقعها الجغرافي الذي يمنحها أهمية خاصة في الربط بين أوروبا وإفريقيا.
وبين التطورات الميدانية والتوجهات الاستراتيجية، يتضح أن العلاقات المغربية الأمريكية تتجه نحو مزيد من العمق والتكامل، في إطار رؤية مشتركة تقوم على تعزيز الاستقرار الإقليمي ومواجهة التحديات الأمنية المتنامية.
ويؤشر هذا المسار على تحول نوعي في طبيعة الشراكة بين البلدين، من تعاون تقليدي إلى تحالف متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه المصالح الأمنية والسياسية والتكنولوجية في سياق دولي سريع التحول.