نقاش الساعة الإضافية يحتدم في البرلمان.. بين التبرير الحكومي ومطالب الإلغاء
في سياق نقاش عمومي متجدد حول اعتماد الساعة الإضافية بالمغرب، تتواصل حالة الجدل بين من يعتبرها إجراءً تنظيمياً ضرورياً مرتبطاً بمتطلبات الاقتصاد والتنسيق الإداري، وبين من يرى فيها عبئاً مباشراً على الحياة اليومية للمواطنين، خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة مثل التلاميذ والطلبة والموظفين.
هذا السجال الذي ظل حاضراً خلال السنوات الأخيرة، عاد إلى الواجهة بقوة داخل المؤسسة التشريعية، مع تجدد الدعوات إلى إعادة تقييم هذا الاختيار العمومي في ضوء معطيات اجتماعية واقتصادية متراكمة.
وفي هذا الإطار، برزت داخل جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، اليوم الإثنين،مطالب سياسية تدعو إلى إعادة فتح ملف الساعة الإضافية، بناء على مؤشرات ميدانية واستطلاعات رأي تشير إلى تزايد رفضها من طرف فئات واسعة من المواطنين.
فقد كشفت دراسة وطنية حديثة أن ما يقارب 70 في المائة من المغاربة يقرون بتراجع جودة حياتهم نتيجة اعتماد توقيت GMT+1، فيما عبّر حوالي 90 في المائة عن رغبتهم في العودة إلى التوقيت الأصلي، مع تسجيل تأثر واضح لدى التلاميذ والطلبة الذين يعتبرون الأكثر تضرراً من هذا النظام.
وخلال أشغال الجلسة، دعا عدد من البرلمانيين إلى ضرورة مقاربة هذا الملف من زاوية شمولية تأخذ بعين الاعتبار الانعكاسات الاجتماعية والصحية والتربوية، بعيداً عن المعالجة التقنية الصرفة.
كما تم التأكيد على أهمية إشراك مؤسسات الاستشارة والدراسات في تقييم آثار هذا القرار العمومي، بما يسمح بتقديم معطيات دقيقة تساعد على اتخاذ القرار المناسب.
وفي ردها على هذه التساؤلات، أوضحت أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، اليوم الإثنين، أن موضوع الساعة القانونية لا يندرج ضمن القرارات القطاعية المنفردة، بل يخضع لإطار قانوني وتنظيمي واضح يحدد مساطر اتخاذ القرار في هذا المجال، مؤكدة أن الحكومة تتعامل معه وفق مقاربة مؤسساتية تستحضر مبدأ المصلحة العامة.
وأشارت السغروشني إلى أن الإطار القانوني المؤطر لهذا النظام يستند أساساً إلى المرسوم الملكي رقم 455.67 الصادر بتاريخ 2 يونيو 1967، بالإضافة إلى المرسوم رقم 2.18.855 الصادر بتاريخ 26 أكتوبر 2018، والذي نص على إضافة ستين دقيقة إلى الساعة القانونية مع إمكانية تعليق العمل بهذا الإجراء عند الاقتضاء، وهو ما يعكس، بحسب قولها، طبيعة المرونة التي يتميز بها هذا النظام.
وأضافت المسؤولة الحكومية أن الحكومة عملت على مواكبة اعتماد الساعة الإضافية من خلال مجموعة من التدابير التنظيمية، من بينها ملاءمة أوقات العمل بالإدارات العمومية وفق مقاربة مرنة، وإعادة تكييف الزمن المدرسي بما يتناسب مع الخصوصيات المجالية، فضلاً عن تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات لضمان استمرارية المرفق العمومي في ظروف ملائمة.
وأكدت أن تقييم آثار هذا النظام يظل عملية مركبة لا يمكن اختزالها في زاوية واحدة، بل تتطلب مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، إضافة إلى رهانات الاندماج الاقتصادي وتطلعات المواطنين، مبرزة أن الحكومة واعية بحساسية هذا الموضوع لارتباطه المباشر بالحياة اليومية للأسر المغربية.
ويأتي هذا النقاش في وقت تقدمت فيه بعض الفرق البرلمانية، من بينها فريق التقدم والاشتراكية، بمبادرات ترمي إلى تكليف مؤسسات دستورية بإجراء دراسات معمقة حول انعكاسات الساعة الإضافية، حيث تم اقتراح إحالة الملف على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من أجل إعداد تقييم شامل يأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وتعكس هذه المبادرات البرلمانية، إلى جانب المعطيات الإحصائية المتداولة، اتساع دائرة النقاش حول هذا القرار العمومي، في ظل استمرار تباين وجهات النظر بين مختلف الفاعلين.
ففي الوقت الذي يتم فيه التأكيد على اعتبارات التنظيم الإداري والتنسيق الاقتصادي، تتزايد الأصوات الداعية إلى إعادة النظر في جدوى هذا التوقيت، بالنظر إلى تأثيراته المباشرة على نمط العيش اليومي.
وبين التوجهات الحكومية التي تركز على الاستقرار التنظيمي، والمطالب المجتمعية الداعية إلى التغيير، يظل ملف الساعة الإضافية مفتوحاً على مزيد من النقاش، في انتظار حسم مؤسساتي قد يعيد رسم ملامح التوقيت الرسمي بالمملكة وفق مقاربة أكثر توازنا وشمولية.