أرقام البنايات الآيلة للسقوط تثير النقاش.. وتحذيرات من توظيف الملف سياسيا
سجل ملف المباني الآيلة للسقوط بالمغرب عودة قوية إلى واجهة النقاش المؤسساتي والسياسي، خلال أشغال الجلسة الشفهية الأسبوعية بمجلس المستشارين المنعقدة يوم الثلاثاء، وسط تنامي المخاوف المرتبطة باستمرار وجود آلاف البنايات المهددة بالانهيار في عدد من المدن والأحياء العتيقة والشعبية، وما تمثله من خطر مباشر على سلامة السكان والمارة، في وقت تتجدد فيه المطالب بتسريع وتيرة التدخلات الوقائية وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين لتفادي وقوع مآسٍ جديدة.
ويأتي تجدد الجدل حول هذا الملف في سياق استمرار تسجيل حوادث انهيار جزئي أو كلي لبعض المباني بعدد من المناطق الحضرية، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة تساؤلات متزايدة بشأن مدى فعالية السياسات العمومية المعتمدة في مجال السلامة العمرانية والتأهيل الحضري، ومدى قدرة الآليات الحالية على الحد من المخاطر المرتبطة بالبنايات المتقادمة التي تعاني اختلالات بنيوية خطيرة.
وخلال مناقشة الموضوع بمجلس المستشارين، أكد المرابط الخمار، المستشار البرلماني عن فريق حزب الأصالة والمعاصرة، أن ملف المباني الآيلة للسقوط يتحول في العديد من المناسبات إلى موضوع للمزايدات السياسية كلما شهدت إحدى المدن حادث انهيار بناية أو منزل، معتبرا أن معالجة هذا الإشكال تقتضي الابتعاد عن الحسابات الظرفية والتركيز على تحمل المسؤوليات القانونية والمؤسساتية من قبل مختلف الجهات المعنية.
وأشار المستشار البرلماني إلى أن عملية جرد هذه البنايات ومنح الرخص المرتبطة بالبناء تدخل ضمن اختصاصات الجماعات الترابية، مبرزا في الوقت ذاته حجم الصعوبات التقنية واللوجستيكية التي تواجه عددا من المجالس الجماعية في تدبير هذا الملف المعقد. كما لفت إلى وجود تحديات مرتبطة بإقناع بعض الأسر المعنية ببرامج الترحيل وإعادة الإيواء، خاصة في الحالات التي تستوجب مغادرة المساكن المهددة بالانهيار نحو مناطق أخرى أكثر أمانا.
ودعا الخمار إلى تكثيف حملات التواصل والتحسيس الموجهة لسكان المباني المصنفة ضمن خانة الخطر، بهدف تعزيز الوعي بحجم التهديدات المحدقة بهم وتشجيعهم على الانخراط في الحلول المقترحة من طرف السلطات العمومية، مؤكدا أن الحد من هذه المآسي يمر عبر تحديد واضح للمسؤوليات وترتيب الآثار القانونية في مواجهة كل من يثبت تقصيره أو تهاونه في أداء المهام الموكولة إليه، إلى جانب دعم جهود وكالات التجديد الحضري والمؤسسات المختصة المكلفة ببرامج التأهيل وإعادة الإسكان.
من جانبه، كشف كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب ابن إبراهيم، أن عمليات الجرد المنجزة على الصعيد الوطني أفضت إلى إحصاء ما مجموعه 53 ألفا و728 بناية آيلة للسقوط، موزعة على عدد من الجهات والأقاليم، موضحا أن 28 ألف بناية من هذا المجموع خضعت لخبرات ودراسات تقنية متخصصة لتحديد درجة خطورتها وطبيعة التدخلات الضرورية الواجب اتخاذها بشأنها.
وأوضح المسؤول الحكومي أن التقارير التقنية المتعلقة بالبنايات التي تستوجب تدخلا عاجلا تمت إحالتها إلى الجهات المختصة من أجل اتخاذ الإجراءات المناسبة، سواء تعلق الأمر بأشغال التدعيم والترميم أو بعمليات الإخلاء وإعادة الإيواء عند الضرورة، مشددا على أن هذا الملف يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحماية الأرواح والممتلكات والحفاظ على الرصيد المعماري والحضري الوطني.
وأضاف ابن إبراهيم أن المقاربة المعتمدة من قبل الوزارة ترتكز على مبادئ الاستباقية والاندماج والنجاعة والالتقائية المجالية، من خلال إشراك مختلف الفاعلين المؤسساتيين في بلورة وتنفيذ برامج التدخل.
وفي هذا السياق، أبرز تجربة جهة الرباط سلا القنيطرة كنموذج للتنسيق بين القطاعات المعنية، بمشاركة وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والمالية والسلطات الترابية ومختلف الشركاء، فضلا عن تعبئة موارد مالية عبر صندوق مخصص للمساهمة في معالجة إشكالات المباني المهددة بالانهيار.
وأكد كاتب الدولة أن تدبير هذا الورش يتم عبر منظومة محلية تعتمد على لجان إقليمية يترأسها الولاة والعمال، وتتكفل بتنسيق تدخلات مختلف المصالح والمؤسسات المعنية على المستوى الترابي، بما يضمن سرعة اتخاذ القرارات وتحديد الأولويات وفق درجة الخطورة المسجلة بكل منطقة.
وفي إطار تتبع الوضع الميداني، أوضح المسؤول الحكومي أن الوزارة قامت خلال شهري فبراير ومارس الماضيين بسلسلة من الزيارات الميدانية شملت جهات طنجة تطوان الحسيمة وفاس مكناس ومراكش آسفي والدار البيضاء سطات، بحضور الولاة والعمال والمسؤولين المحليين، وذلك للوقوف على وضعية البنايات المهددة بالانهيار وتقييم مستوى تقدم البرامج المعتمدة لمعالجتها.
كما أشار إلى صدور دورية عن وزارة الداخلية تدعو إلى إنجاز عملية إحصاء واسعة وشاملة للمباني الآيلة للسقوط واعتماد منهجية موحدة للتدخل على مستوى مختلف الجهات، بما يساهم في تعزيز الوقاية من المخاطر وتحسين نجاعة التدخلات الاستباقية قبل وقوع الكوارث.
وفي ما يتعلق بأوراش التجديد الحضري، شدد ابن إبراهيم على أن هذه البرامج لا تقتصر فقط على معالجة المباني المتداعية، بل تشمل أيضا إعادة تأهيل الأحياء المتدهورة وتحسين ظروف العيش داخلها، من خلال توفير سكن لائق وتعزيز البنيات التحتية والخدمات الأساسية وتقليص مظاهر الهشاشة الاجتماعية والإقصاء المجالي.
كما تهدف هذه المشاريع إلى إدماج الأحياء الهامشية ضمن النسيج العمراني المنظم وإنجاز مشاريع تنموية ذات أبعاد حضرية واقتصادية واجتماعية قادرة على تحسين جودة الحياة لفائدة الساكنة.
ويعكس استمرار تسجيل عشرات الآلاف من المباني المصنفة ضمن خانة الخطر حجم التحديات التي لا تزال مطروحة أمام مختلف المتدخلين في هذا الملف، خاصة في ظل الحاجة إلى تعبئة موارد مالية وتقنية إضافية وتسريع وتيرة إنجاز برامج التأهيل وإعادة الإيواء، بما يضمن حماية الأرواح والممتلكات ويجنب المدن المغربية تكرار المآسي المرتبطة بانهيار المباني الآيلة للسقوط.