تعديلات برنامج الدعم الاجتماعي بين رهانات الإصلاح ومخاوف التوظيف السياسي

الكاتب : انس شريد

04 يونيو 2026 - 07:30
الخط :

عاد ملف البرامج الاجتماعية إلى واجهة النقاش السياسي والمؤسساتي بالمغرب مع اقتراب الحكومة من دخول المرحلة الأخيرة من ولايتها، وسط دعوات متزايدة إلى تحصين الأوراش الاجتماعية الكبرى من التوظيف السياسي والحسابات الانتخابية الضيقة، والحفاظ على طابعها الاجتماعي باعتبارها برامج موجهة لخدمة الفئات المستحقة وتعزيز مقومات الحماية الاجتماعية.

وفي هذا السياق، استأثرت مناقشة مشروع القانون رقم 41.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر باهتمام واسع داخل لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين، خلال اجتماعها المنعقد اليوم الخميس، حيث شكل المشروع مناسبة لفتح نقاش موسع حول حصيلة هذا الورش الاجتماعي والتحديات المرتبطة بتطويره وضمان استدامته وفعاليته.

وصادقت لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين، بالإجماع، على مشروع القانون رقم 041.26 بتغيير وتتميم القانون رقم 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر.

وشكلت مناقشة المشروع مناسبة لإثارة عدد من القضايا المرتبطة بمستقبل منظومة الدعم الاجتماعي المباشر، وآليات تطويرها، ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية، في سياق مواصلة تنزيل أحد أكبر الأوراش الاجتماعية التي أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة بهدف تعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين أوضاع الأسر ذات الدخل المحدود.

وخلال أشغال اللجنة، وجه فوزي لقجع، الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، انتقادات مباشرة لما اعتبره محاولات لتوظيف البرامج الاجتماعية في الصراع السياسي، مؤكداً أن نجاح المشاريع الاجتماعية الكبرى يظل رهيناً بالابتعاد عن منطق الاستغلال السياسي والكسب الظرفي، والتركيز على الأهداف الحقيقية لهذه الإصلاحات التي تستهدف تحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

وشهد الاجتماع تفاعلاً سياسياً لافتاً بين الوزير وأعضاء اللجنة، خاصة خلال مناقشة عدد من القضايا المرتبطة بالقدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة وانعكاسات الظرفية الاقتصادية على الأسر المغربية.

وفي معرض جوابه عن مداخلات المستشارين البرلمانيين، عبر لقجع عن استيائه مما وصفه بأساليب التعامل التي تقلل من أهمية المجهود المالي المباشر الذي تعبئه الدولة لفائدة الفئات المستحقة، معتبراً أن حجم الموارد المرصودة لهذا الورش يعكس إرادة حقيقية لمواصلة دعم الأسر الهشة وتعزيز مقومات العدالة الاجتماعية.

وأكد المسؤول الحكومي أن النقاش المرتبط بالبرامج الاجتماعية ينبغي أن يستند إلى معطيات دقيقة وموضوعية، بعيداً عن أي قراءات انتقائية أو خطابات قد تسهم في تشويه الحقائق أو تضليل الرأي العام.

كما شدد على أن بعض الممارسات السياسية تساهم في إحداث اختلال على مستوى إيصال المعلومة الصحيحة إلى المواطنين، الأمر الذي قد يؤثر على فهمهم لطبيعة الإصلاحات الاجتماعية الجارية وحجم التحولات التي تعرفها السياسات العمومية في هذا المجال.

وفي سياق حديثه عن التحديات التي تواجه تنزيل نظام الدعم الاجتماعي المباشر، كشف لقجع أن الحكومة رصدت خلال مراحل التطبيق الأولى عدداً من الإشكالات المرتبطة بالعلاقة بين الاستفادة من الدعم والاندماج في سوق الشغل.

وأوضح أن بعض المستفيدين أصبحوا يترددون في الولوج إلى فرص العمل المهيكلة بسبب تخوفهم من فقدان الاستفادة من المنحة الشهرية المخصصة لهم في إطار هذا النظام.

وأضاف أن المعطيات المتوفرة أظهرت أيضاً وجود حالات يفضل فيها بعض المستفيدين ممارسة أنشطة مهنية دون التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بهدف الحفاظ على حقهم في الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر، وهو ما يطرح تحديات حقيقية تتعلق بتشجيع الإدماج المهني ومحاربة مظاهر العمل غير المهيكل.

وأشار الوزير إلى أن التعديلات المقترحة ضمن مشروع القانون الجديد تروم معالجة هذه الإشكالات من خلال تحقيق توازن بين مواصلة دعم الأسر المستحقة وتحفيز المستفيدين على الاندماج في الدورة الاقتصادية وسوق الشغل.

وفي المقابل، استغلت الفرق البرلمانية المناسبة لإثارة عدد من الملاحظات المتعلقة بسبل تحسين حكامة هذا النظام ومعالجة بعض الاختلالات التي برزت خلال مرحلة التنزيل.

ودعا عدد من المستشارين إلى اعتماد تقييمات دورية ومنتظمة لقياس مدى فعالية الدعم الاجتماعي المباشر، وضمان استفادة الفئات المستهدفة منه وفق معايير واضحة وعادلة وشفافة.

كما شددت تدخلات برلمانية على ضرورة مراجعة بعض مؤشرات الاستهداف المعتمدة حالياً، بما يضمن عدم إقصاء أسر تعيش أوضاعاً اجتماعية هشة بسبب معايير قد لا تعكس بدقة واقعها الاقتصادي والاجتماعي، مع تعزيز آليات المراقبة والتتبع لضمان النجاعة والإنصاف في توزيع الدعم.

ومن جهته، أعلن فريق الاتحاد المغربي للشغل دعمه لمختلف الإجراءات الرامية إلى تعزيز الحماية الاجتماعية وصون كرامة الأسر المغربية، مثمناً اعتماد منحة انتقالية لفائدة الأسر التي تفقد حقها في الاستفادة من الدعم نتيجة التصريح بأحد أفرادها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

واعتبر الفريق أن هذا الإجراء يشكل خطوة مهمة لتشجيع الاندماج في سوق الشغل دون الإضرار بالاستقرار الاجتماعي للأسر المعنية.

وأكد الفريق أن نجاح هذا الورش يقتضي مواصلة تحسين آليات الحكامة والتقييم، وضمان الشفافية والعدالة في الاستفادة، مع مراجعة المؤشرات المعتمدة كلما اقتضت الضرورة ذلك، بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع المغربي.

كما جدد دعوته إلى جعل التشغيل أولوية مركزية في السياسات العمومية، باعتباره المدخل الأساسي لتحقيق الإدماج الاجتماعي والاقتصادي المستدام، مشدداً على أن توفير فرص شغل مستقرة ولائقة يظل السبيل الأنجع لتحسين القدرة الشرائية للأسر وتعزيز الاستقرار الاجتماعي وتقليص مستويات الهشاشة.

ويأتي هذا النقاش في سياق مواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية الذي يحظى بأهمية استراتيجية في مسار الإصلاحات الاجتماعية بالمغرب، وسط إجماع على ضرورة الحفاظ على مكتسباته وتطوير آلياته، مقابل استمرار النقاش السياسي حول السبل الكفيلة بضمان فعاليته واستدامته وتحقيق أهدافه في تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين أوضاع الفئات الأكثر حاجة للدعم والحماية.

آخر الأخبار