جدل "تسليع التعليم العالي" يتصاعد.. رسوم "التوقيت الميسر" تؤجج الانتقادات قبل نهاية الولاية

الكاتب : انس شريد

24 يوليو 2026 - 07:30
الخط :

وجدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار نفسها في مواجهة موجة جديدة من الانتقادات، بعد اتساع الجدل الذي رافق شروع عدد من الجامعات المغربية في اعتماد رسوم التسجيل الخاصة بالتكوينات الجامعية بنظام "التوقيت الميسر"، في خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش حول مستقبل مجانية التعليم العالي وحدود الإصلاحات التي يشهدها القطاع، وذلك في ظرفية سياسية تتزامن مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية.

وتحولت الرسوم المعلن عنها إلى محور نقاش واسع داخل الأوساط الجامعية والنقابية وبين فئات واسعة من الموظفين والأجراء، الذين اعتبر عدد منهم أن هذه التكاليف قد تشكل عائقا أمام استكمال مسارهم الأكاديمي، خاصة في ظل اعتماد نظام "التوقيت الميسر" كصيغة موجهة أساسا للراغبين في التوفيق بين الدراسة والالتزامات المهنية.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الأخيرة وثيقة منسوبة إلى مجلس جامعة شعيب الدكالي بالجديدة، تتضمن لائحة الرسوم الخاصة بالموسم الجامعي المقبل، والتي حددت واجبات التسجيل في 5 آلاف درهم سنويا بسلك الإجازة، و15 ألف درهم بالنسبة للماستر، و18 ألف درهم لسلك الباشلور في التكنولوجيا، فيما بلغت الرسوم 20 ألف درهم سنويا بالنسبة للدكتوراه خلال السنوات الأربع الأولى، وهي مبالغ أثارت جدلا واسعا.

ويأتي هذا المستجد في سياق توسيع العمل بنظام "التوقيت الميسر"، الذي شرعت عدة جامعات مغربية في تنزيله باعتباره مسارا تكوينيا يسمح بمتابعة الدراسة خارج التوقيت الجامعي العادي، بما ينسجم مع التزامات الموظفين والأجراء المهنية، غير أن اعتماد رسوم مرتفعة أعاد طرح أسئلة مرتبطة بمدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص وضمان الحق في الولوج إلى التعليم العالي دون تمييز.

وتزامن الإعلان عن الرسوم مع تصاعد المخاوف من أن يتحول هذا النمط من التكوين إلى الخيار الوحيد المتاح أمام فئات من الموظفين الراغبين في استكمال دراستهم، الأمر الذي اعتبره عدد من المهتمين بالشأن الجامعي تطورا يستوجب فتح نقاش مؤسساتي حول كيفية تنزيل الإصلاحات الجامعية بما يحقق التوازن بين تطوير التكوينات والحفاظ على الحقوق الدستورية المرتبطة بمجانية التعليم العمومي.

وفي خضم هذا الجدل، عبر تيار الأساتذة الباحثين التقدميين داخل النقابة الوطنية للتعليم العالي عن قلقه من طريقة تنزيل مقتضيات القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، معتبرا أن الاختلاف الحاصل بين الجامعات في اعتماد "التوقيت الميسر" يثير إشكالات قانونية وبيداغوجية تمس مبدأ المساواة بين الطلبة.

وأوضح التيار، في بلاغ موجه إلى الرأي العام، أن بعض مجالس الجامعات جعلت "التوقيت الميسر" شرطا للولوج إلى سلك الدكتوراه، بينما اعتمدته جامعات أخرى كتكوين اختياري في سلكي الإجازة والماستر، مؤكدا أن المادة 81 من القانون المذكور لا تبرر فرض هذا النمط من الدراسة بشكل إلزامي على أي فئة من الطلبة.

وشدد التيار على أن فلسفة "التوقيت الميسر" تقوم أساسا على توسيع فرص الولوج إلى التعليم العالي لفائدة الموظفين والأجراء، باعتباره مسارا موازيا واختياريا، وليس بديلا عن التكوين الأساسي العادي، محذرا من تحويله إلى آلية قد تمس بمجانية التعليم أو تكرس أشكالا جديدة من التمييز بين الطلبة.

كما دعا إلى فتح هذه التكوينات أمام جميع الراغبين المستوفين للشروط الأكاديمية، مع الحرص على عدم ربطها برسوم مرتفعة قد تحد من الاستفادة منها، مؤكدا أن الجامعة العمومية مطالبة بالحفاظ على دورها الاجتماعي إلى جانب تطوير جودة التكوين والبحث العلمي.

ولم يقف الجدل عند حدود الهيئات الجامعية، إذ امتد إلى المؤسسة التشريعية، بعدما أثار عدد من البرلمانيين الموضوع من خلال أسئلة كتابية وجهت إلى الحكومة، عبروا فيها عن تخوفهم من أن يؤدي فرض رسوم جديدة على الموظفين والأجراء إلى تقويض مبدأ مجانية التعليم العالي، مطالبين بتوضيح الأسس القانونية والتنظيمية التي اعتمدت في تحديد هذه الرسوم.

كما اعتبرت فعاليات نقابية أن القرارات الأخيرة قد تكون لها انعكاسات اجتماعية واقتصادية على فئات واسعة من الموظفين، خاصة في ظل تفاوت مستويات الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، داعية إلى اعتماد معايير أكثر مرونة تراعي الأوضاع الاجتماعية والقدرة المالية للراغبين في متابعة الدراسة.

ويضع هذا الملف وزارة التعليم العالي أمام تحديات متزايدة، في ظل استمرار الانتقادات الصادرة عن الهيئات النقابية والجامعية والبرلمانية، وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى كيفية تدبير الحكومة لهذا الجدل قبل نهاية ولايتها، خاصة مع تنامي النقاش حول مستقبل مجانية التعليم العالي وحدود الإصلاحات التي يشهدها القطاع.

ومن المرتقب أن يتواصل هذا النقاش مع إعلان جامعات أخرى عن الرسوم الخاصة بالتكوينات بنظام "التوقيت الميسر" خلال الموسم الجامعي المقبل، وسط مطالب بإقرار إطار وطني موحد يحدد شروط الولوج وطبيعة الرسوم وآليات الاستفادة، بما يضمن تحقيق التوازن بين تطوير منظومة التعليم العالي وصون مبدأ تكافؤ الفرص، ويجنب الجامعة المغربية الدخول في جدل متجدد بشأن ما يعتبره منتقدون توجها نحو "تسليع" التعليم العمومي في مرحلة تسبق انتهاء الولاية الحكومية الحالية.

آخر الأخبار