هل يملك المغرب وصفة مواجهة الجفاف التي تبحث عنها أوروبا؟
في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأوروبية من تداعيات الجفاف وتراجع الموارد المائية، بدأت تجربة المغرب في مجال تدبير المياه تستقطب اهتماما متزايدا داخل الأوساط الإعلامية والبحثية الأوروبية، خصوصا في إسبانيا التي تواجه، إلى جانب عدد من دول جنوب القارة، تحديات متنامية مرتبطة بالأمن المائي.
وبينما تجد حكومات أوروبية نفسها مضطرة إلى اعتماد إجراءات استثنائية لمواجهة فترات الجفاف المتكررة، يبرز النموذج المغربي باعتباره تجربة أثارت نقاشا متصاعدا حول فعالية السياسات الاستباقية في مواجهة التغيرات المناخية.
وشهدت العلاقات المغربية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا على مستويات متعددة، سواء في المجالات الاقتصادية أو التجارية أو الطاقية، ما جعل المملكة شريكا استراتيجيا للعديد من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها إسبانيا.
ومع تزايد التحديات البيئية المرتبطة بندرة المياه، بدأت التجربة المغربية في هذا المجال تفرض نفسها ضمن النقاشات الدائرة حول أفضل السبل للتعامل مع أزمة مائية باتت تهدد مستقبل عدة دول مطلة على البحر الأبيض المتوسط.
ووفقا للتقارير الإعلامية الإسبانية، فإن الجفاف لم يعد ظاهرة ظرفية أو موسمية داخل أوروبا، بل تحول إلى تحد بنيوي يفرض نفسه على أجندات الحكومات والمؤسسات المختصة.
وتشير المعطيات المناخية الحديثة إلى تراجع مستمر في الموارد المائية المتاحة، مقابل ارتفاع الطلب على المياه بفعل التوسع العمراني والأنشطة الزراعية والسياحية، فضلا عن التأثيرات المتزايدة للتغيرات المناخية التي أصبحت تضغط بشكل متواصل على المنظومات البيئية في المنطقة.
وتؤكد التقارير ذاتها أن عددا من الدول الأوروبية بات يواجه أوضاعا مقلقة في هذا المجال، ففي إسبانيا، تستمر الضغوط على العديد من الأحواض المائية الرئيسية نتيجة توالي سنوات الجفاف، بينما تجد إيطاليا نفسها أمام تحديات متباينة تجمع بين مخاطر الفيضانات الحادة وفترات الجفاف الطويلة.
أما اليونان، فقد اضطرت إلى اعتماد تدابير استثنائية لضمان تزويد عدد من جزرها بالمياه، في حين بدأت فرنسا بدورها في تفعيل إجراءات خاصة بمراقبة الموارد المائية حتى في مناطق كانت تعد تاريخيا من بين الأكثر وفرة من حيث التساقطات المطرية.
ووفقا للتقارير الإعلامية الإسبانية، فإن المؤسسات الأوروبية المختصة أصبحت تنظر إلى قضية المياه باعتبارها أحد أكبر التحديات الاستراتيجية خلال العقود المقبلة، خاصة في ظل توقعات تشير إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات التساقطات في عدد من المناطق الجنوبية للقارة.
وفي خضم هذه التحولات، برزت التجربة المغربية كحالة تستحق المتابعة، خصوصا بعد التحسن الملحوظ الذي سجلته المؤشرات المرتبطة بمخزون المياه في السدود خلال الفترة الأخيرة. فبعد سنوات صعبة اتسمت بتراجع التساقطات وتوالي مواسم الجفاف، تمكن المغرب من تعزيز قدراته في مجال تعبئة الموارد المائية وتطوير بنيته التحتية المرتبطة بتخزين المياه وتوزيعها.
وتشير التقارير الإعلامية الإسبانية إلى أن المملكة واجهت خلال السنوات الماضية واحدة من أكثر الفترات صعوبة على مستوى الموارد المائية، حيث أثرت موجات الجفاف المتتالية بشكل مباشر على القطاع الفلاحي وعلى التوازنات المائية في عدد من المناطق.
كما دفعت هذه الظروف السلطات المغربية إلى اعتماد إجراءات استثنائية وتدابير صارمة لترشيد استهلاك المياه وضمان استمرارية التزويد بالماء الشروب.
غير أن هذه التحديات تحولت، وفق مراقبين، إلى حافز لتسريع تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى في قطاع المياه، فقد واصل المغرب الاستثمار في بناء السدود وتوسيع قدرات التخزين، إلى جانب إطلاق مشاريع واسعة لتحلية مياه البحر وربط الأحواض المائية من خلال منشآت مخصصة لنقل الموارد بين المناطق التي تعرف فائضا مائيا وتلك التي تعاني من خصاص متزايد.
كما شكل تطوير محطات تحلية مياه البحر أحد أبرز ملامح الاستراتيجية المغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث تم تعزيز هذا التوجه عبر مشاريع موزعة على الواجهة الأطلسية والمتوسطية بهدف تقليص الضغط على الموارد التقليدية وضمان مصادر بديلة للمياه قادرة على مواكبة الاحتياجات المتزايدة للسكان والأنشطة الاقتصادية.
وفي القطاع الفلاحي، الذي يعد من أكثر القطاعات استهلاكا للمياه، عمل المغرب على توسيع استخدام تقنيات الري الحديثة، وفي مقدمتها الري بالتنقيط، مع تشجيع الفلاحين على اعتماد حلول تكنولوجية تساهم في ترشيد الاستهلاك وتحسين مردودية الموارد المائية.
ووفقا للتقارير الإعلامية الإسبانية، فإن المقارنة بين ما يجري في عدد من الدول الأوروبية وما تحقق في المغرب خلال السنوات الأخيرة بدأت تثير اهتمام عدد من الخبراء والباحثين في قضايا المناخ والمياه.
فبينما تعتمد بعض الدول الأوروبية بشكل متكرر على تدابير الطوارئ لمواجهة الأزمات الموسمية، يبرز النموذج المغربي باعتباره تجربة تقوم على التخطيط المسبق والاستثمار المستمر في البنية التحتية.
وترى التقارير الإعلامية الأوروبية، أن الحديث عن النموذج المغربي لا يعني بالضرورة وجود وصفة جاهزة يمكن نقلها بشكل حرفي إلى السياقات الأوروبية المختلفة، نظرا لاختلاف المعطيات الجغرافية والاقتصادية والديمغرافية بين الدول.
غير أن التجربة المغربية تقدم، بحسب التقارير الاعلامية، مؤشرات مهمة حول أهمية الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
وبينما تواصل دول أوروبية البحث عن حلول مستدامة لمواجهة الجفاف، يبرز المغرب كواحد من النماذج التي استطاعت تحويل أزمة حقيقية إلى فرصة لتطوير سياسات مائية أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات المناخية، وهو ما يجعل تجربته محط اهتمام متزايد داخل الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط.