جدل الأولويات يشعل قبة البرلمان.. هل باتت الأوضاع المعيشية خارج الاهتمام الحكومي؟

الكاتب : انس شريد

08 يونيو 2026 - 06:30
الخط :

عاد الجدل السياسي ليتصاعد تحت قبة البرلمان مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، بعدما شهدت الجلسة الشهرية المخصصة لمساءلة رئيس الحكومة حول السياسة العامة، المنعقدة بمجلس النواب يوم الاثنين 8 يونيو 2026، سجالات حادة بين مكونات المعارضة ورئاسة المؤسسة التشريعية بشأن حدود النقاش البرلماني وحق الفرق النيابية في توجيه المساءلة نحو القضايا التي تعتبرها أكثر إلحاحا بالنسبة للمواطنين.

وانطلقت الجلسة، التي خُصصت لموضوع "الاختيارات الحكومية من أجل تعزيز دور منظومة التربية والتكوين في بناء المغرب الصاعد"، في أجواء اتسمت بالتوتر السياسي، بعدما عبر عدد من نواب المعارضة عن تحفظهم على طبيعة الموضوع المدرج ضمن جدول أعمال المساءلة الشهرية، معتبرين أن الظرفية الراهنة تفرض إعطاء الأولوية للملفات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة مباشرة بالوضع المعيشي للأسر المغربية.

وبادر النائب البرلماني سعيد بعزيز، عن الفريق الاشتراكي للمعارضة الاتحادية، إلى انتقاد اختيار موضوع الجلسة، معتبرا أن البرلمان كان مطالبا بمناقشة قضايا ترتبط بالقدرة الشرائية وارتفاع الأسعار والتحديات الاجتماعية التي تواجهها فئات واسعة من المواطنين.

وأكد أن الرأي العام كان ينتظر نقاشا مؤسساتيا حول الأوضاع الاقتصادية الراهنة وما يرافقها من صعوبات معيشية، خاصة في ظل ما وصفه بتزايد الضغوط الاجتماعية على العديد من الأسر المغربية.

وأثار هذا الموقف تفاعلا داخل الجلسة بعدما شدد رئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي، على أن جلسات مساءلة رئيس الحكومة تخضع لمقتضيات دستورية وتنظيمية واضحة، وأن الأسئلة والمواضيع المدرجة ضمن جدول الأعمال تتم وفق مساطر محددة تقتضي توصل رئيس الحكومة بها مسبقا وبشكل مكتوب، بما يضمن احترام الضوابط المؤطرة للعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

غير أن توضيحات رئيس المجلس لم تضع حدا للنقاش، إذ سارعت مكونات المعارضة إلى التعبير عن رفضها لما اعتبرته تضييقا على صلاحياتها الرقابية.

وفي هذا السياق، تدخل رئيس الفريق الاشتراكي للمعارضة الاتحادية عبد الرحيم شهيد، مؤكدا أن المعارضة لم تكن طرفا في اختيار الموضوع الذي خصصت له الجلسة، موضحا أن هذا الاختيار تم من طرف الأغلبية الحكومية والحكومة نفسها، وأن من حق المعارضة، في المقابل، أن تحدد الزوايا التي ترى ضرورة مناقشتها داخل إطار الموضوع المطروح.

وشدد شهيد على أن الدور الرقابي للمعارضة لا يمكن أن يقتصر على مقاربة واحدة أو قراءة محددة للملفات المعروضة، معتبرا أن من صميم العمل البرلماني إثارة القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام الوطني، خاصة تلك المرتبطة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.

وأضاف أن الفرق البرلمانية المعارضة تتحمل مسؤولية نقل انشغالات المواطنين إلى المؤسسة التشريعية والدفاع عن حقهم في الحصول على أجوبة واضحة بشأن مختلف الإشكالات المطروحة.

وتواصل الجدل عندما عاد رئيس الجلسة للتأكيد على ضرورة احترام وحدة الموضوع المحدد سلفا، مبرزا أن النقاش ينبغي أن يظل مرتبطا بالمحور الذي تم الاتفاق بشأنه وفق الإجراءات المعتمدة، وأن أي مداخلة تخرج عن الإطار الموضوعاتي المحدد قد تعتبر مخالفة للمقتضيات التنظيمية المؤطرة لهذه الجلسات.

وفي خضم هذه السجالات، اعتبر سعيد بعزيز أن القضايا الاجتماعية الملحة كان ينبغي أن تحظى بحيز أكبر من النقاش داخل جلسة السياسة العامة، مشيرا إلى أن المواطنين ينتظرون من الحكومة تقديم حلول عملية وملموسة للإشكالات المرتبطة بغلاء المعيشة والعدالة الاجتماعية والعدالة المجالية ومختلف التحديات الاقتصادية التي تواجه الأسر المغربية.

وأكد أن المؤسسة التشريعية مطالبة بمواكبة انشغالات المواطنين والتفاعل مع الأولويات التي تفرضها التطورات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.

من جهته، انضم رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية عبد الله بوانو إلى الأصوات المنتقدة لموقف رئاسة المجلس، معتبرا أن للنواب كامل الصلاحية في اختيار المواضيع والأسئلة التي يرونها مناسبة لمساءلة الحكومة، ومشددا على أهمية الحفاظ على الاختصاصات الرقابية للمؤسسة التشريعية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للتوازن المؤسساتي المنصوص عليه دستوريا.

وفي المقابل، نفى رشيد الطالبي العلمي وجود أي توجه لتقييد حرية الفرق البرلمانية أو الحد من اختصاصاتها، موضحا أن الموضوع المدرج ضمن جدول أعمال الجلسة تم التوصل به عبر المساطر المعتمدة ووفق الإجراءات التنظيمية المعمول بها داخل مجلس النواب.

وأكد أن رئاسة المجلس تعاملت مع مختلف المقترحات الواردة من الفرق البرلمانية وفق القنوات المعتمدة، مشيرا إلى أن التنسيق المرتبط بالإعداد للجلسات يتم عبر آليات تواصل متفق عليها بين مختلف المكونات البرلمانية.

وأثارت الإشارة إلى اعتماد قنوات التواصل الرقمية في تدبير بعض الجوانب التنظيمية المتعلقة بأشغال المجلس نقاشا إضافيا داخل القاعة، حيث اعتبرت المعارضة أن جوهر الإشكال لا يرتبط بالمساطر بقدر ما يتعلق بطبيعة الأولويات السياسية المطروحة للنقاش في مرحلة تتسم بتحديات اجتماعية واقتصادية متزايدة.

في المقابل، أكد رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أن الاستثمار الحقيقي للأمم لا يقتصر على “الحجر والبنايات ولا حتى الحوالا”، بل يتمثل أساساً في الاستثمار في العنصر البشري، معتبراً قطاع التعليم بمثابة “الاستثمار الأسمى” الذي تصنع به الدول مستقبلها وتحمي وحدتها وتضمن تنافسيتها وازدهارها.

ويأتي هذا السجال البرلماني في سياق سياسي يتسم بارتفاع منسوب النقاش بين الأغلبية والمعارضة مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، حيث تسعى مختلف الأطراف إلى تعزيز حضورها السياسي وإبراز مواقفها بشأن الملفات الكبرى التي تشغل الرأي العام الوطني.

كما يعكس الجدل المتواصل داخل المؤسسة التشريعية تباين المقاربات بين الأغلبية والمعارضة حول ترتيب الأولويات وتحديد القضايا التي تستوجب النقاش العمومي في هذه المرحلة.

آخر الأخبار