ملف التعليم في قلب الجدل البرلماني.. اتهامات بالإخفاق ورد حكومي بالأرقام
احتدمت النقاشات تحت قبة مجلس النواب، اليوم الإثنين، خلال الجلسة الشهرية المخصصة للأسئلة الشفوية الموجهة إلى رئيس الحكومة، والتي خُصصت لموضوع إصلاح منظومة التربية والتكوين، حيث تحولت الجلسة إلى ساحة مواجهة سياسية بين مكونات الأغلبية والمعارضة حول حصيلة الحكومة في قطاع التعليم ومدى نجاحها في الوفاء بالتزاماتها المعلنة منذ بداية الولاية الحكومية.
وانتقد نواب من المعارضة الأداء الحكومي في تدبير ملف التعليم، معتبرين أن المؤشرات المسجلة على أرض الواقع لا تعكس حجم الاعتمادات المالية المرصودة للقطاع خلال السنوات الأخيرة، في وقت دافع فيه رئيس الحكومة عزيز أخنوش عن حصيلة حكومته، مؤكداً أن الإصلاحات الجارية بدأت تعطي نتائج ملموسة على مستوى تعميم التمدرس وتحسين جودة التعلمات وتطوير المدرسة العمومية.
وفي هذا السياق، وجه النائب البرلماني عبد الصمد حيكر، عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، انتقادات مباشرة للحكومة، متهماً إياها بعدم الوفاء بالالتزامات التي تضمنها برنامجها الحكومي في المجال التعليمي.
واعتبر أن عدداً من التقارير الوطنية والدولية ما زالت تسجل مؤشرات مقلقة بشأن واقع التعليم بالمغرب، خاصة ما يتعلق بظاهرة الهدر المدرسي وضعف المكتسبات الأساسية لدى التلاميذ.
وأوضح حيكر أن أعداداً كبيرة من التلاميذ يغادرون الدراسة قبل الحصول على شهادة البكالوريا، مشيراً إلى استمرار ارتفاع معدلات التكرار الدراسي مقارنة بعدد من الدول المتقدمة. وأضاف أن نحو 280 ألف تلميذ وتلميذة يغادرون مقاعد الدراسة سنوياً، معتبراً أن هذه الأرقام تعكس حجم التحديات التي ما تزال تواجه المدرسة العمومية.
كما استند المتحدث إلى نتائج عدد من التقارير الدولية المتعلقة بجودة التعليم والكفايات الأساسية، مؤكداً أن المغرب لا يزال يحتل مراتب متأخرة في العديد من المؤشرات المرتبطة بالتعلم والتحصيل الدراسي، إلى جانب ما وصفه بحالة عدم الرضا المهني التي تعكسها بعض الدراسات الخاصة بأوضاع الأطر التربوية وظروف اشتغالها.
من جهته، اعتبر النائب البرلماني حسن أومربيط، عن فريق التقدم والاشتراكية، أن ارتفاع ميزانية التعليم لا يمكن أن يشكل لوحده مؤشراً على نجاح الإصلاح، مشدداً على أن المعيار الحقيقي يظل مرتبطاً بالنتائج المحققة على مستوى جودة التعليم ومحاربة الهدر المدرسي وتحسين فرص الارتقاء الاجتماعي.
وأكد أن القطاع استهلك خلال السنوات الأخيرة اعتمادات مالية ضخمة، غير أن أثرها ما يزال محل نقاش وتساؤل لدى الرأي العام.
ودعا أومربيط الحكومة إلى توضيح خلفيات الإعفاءات والتعيينات التي شهدها القطاع خلال الفترة الأخيرة، معتبراً أن حجم هذه التغييرات يطرح تساؤلات حول تقييم أداء المسؤولين الإداريين ومدى انسجام القرارات المتخذة مع الأهداف المعلنة للإصلاح.
كما سجل أن المنظومة التعليمية ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بالاكتظاظ ونقص التجهيزات واستمرار الفوارق المجالية، خاصة بالمناطق القروية والجبلية.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن المدرسة العمومية مطالبة باستعادة دورها كرافعة للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، محذراً من استمرار معدلات الانقطاع الدراسي ومن ارتفاع نسب البطالة في صفوف حاملي الشهادات، معتبراً أن نجاح أي إصلاح تعليمي يظل رهينا بقدرته على توفير تعليم جيد يضمن الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للأجيال الصاعدة.
وفي مقابل هذه الانتقادات، دافع رئيس الحكومة عزيز أخنوش عن حصيلة الجهاز التنفيذي في قطاع التعليم، مؤكداً أن الموسم الدراسي الحالي عرف تسجيل نحو سبعة ملايين تلميذ وتلميذة بالتعليم العمومي، من بينهم 730 ألفاً التحقوا لأول مرة بالمؤسسات التعليمية، مسجلاً زيادة بلغت 7.4 في المائة مقارنة بالموسم الدراسي السابق.
وأوضح أخنوش أن هذه الأرقام تعكس، بحسب تقديره، تنامي ثقة الأسر المغربية في المدرسة العمومية، مشيراً إلى أن الحكومة عملت خلال السنوات الماضية على توسيع العرض المدرسي وتحسين البنيات التحتية وتعزيز الطاقة الاستيعابية للمؤسسات التعليمية بمختلف جهات المملكة.
وأكد رئيس الحكومة أن المنظومة التربوية تعتمد حالياً على أكثر من 299 ألف أستاذة وأستاذ موزعين على مختلف الأسلاك التعليمية، داخل شبكة تضم ما يزيد على 12 ألفاً و441 مؤسسة تعليمية، معتبراً أن هذه المعطيات تعكس حجم الاستثمار العمومي الموجه لتطوير المدرسة العمومية وتحسين خدماتها.
وفي ما يتعلق بالتعليم الأولي، كشف أخنوش أن نسبة التمدرس خلال الموسم الدراسي 2025-2026 تجاوزت 80 في المائة، ليستفيد من هذا الورش أكثر من 985 ألف طفل، مبرزاً أن الحكومة أحدثت ما يزيد على 11 ألف قسم جديد للتعليم الأولي، في إطار الجهود الرامية إلى تعميم هذا المستوى التعليمي وتعزيز فرص الولوج المبكر إلى المدرسة.
كما سجل رئيس الحكومة أن تدبير الشراكات المرتبطة بالتعليم الأولي شهد مراجعة شاملة، مكنت من تقليص عدد الجمعيات المتدخلة من 1133 جمعية سنة 2021 إلى 235 جمعية محلية خلال الموسم الحالي، مع الحرص على ضمان صرف المستحقات المالية الخاصة بالمربيات والجمعيات في آجالها المحددة.
وتوقف أخنوش عند تجربة "مدارس الريادة" التي أطلقتها الحكومة خلال الموسم الدراسي 2023-2024، معتبراً أنها تمثل أحد أبرز مشاريع إصلاح التعليم بالمغرب. وأوضح أن عدد المؤسسات المنخرطة في هذا النموذج ارتفع من 626 مؤسسة في بدايته إلى 4626 مؤسسة خلال الموسم الحالي، بما يغطي استفادة نحو مليوني تلميذ وتلميذة.
وأضاف أن الحكومة واكبت هذا التوسع من خلال تكوين أكثر من 80 ألف أستاذ و960 مفتشا تربويا، مؤكدا أن نتائج التقييمات المنجزة أظهرت تحسنا ملحوظا في مستوى التعلمات الأساسية لدى التلاميذ، حيث سجلت نتائج الرياضيات ارتفاعاً بأربع مرات، واللغة العربية بمرتين، واللغة الفرنسية بثلاث مرات مقارنة بالمستويات السابقة.
وشدد رئيس الحكومة على أن إصلاح التعليم يشكل إحدى أولويات العمل الحكومي، مشيراً إلى أن ميزانية القطاع انتقلت من 58 مليار درهم سنة 2021 إلى 99 مليار درهم سنة 2026، أي بزيادة بلغت 68 في المائة، وهو ما اعتبره دليلاً على التزام الحكومة بتقوية المدرسة العمومية وترسيخ أسس الدولة الاجتماعية.
وعكست المناقشات البرلمانية استمرار التباين في تقييم حصيلة الإصلاح التعليمي بين الحكومة والمعارضة، ففي الوقت الذي تؤكد فيه الأغلبية أن المؤشرات الحالية تعكس بداية تحول تدريجي داخل المنظومة التربوية، ترى المعارضة أن النتائج المحققة ما تزال دون مستوى التطلعات، خاصة في ما يتعلق بالهدر المدرسي وجودة التعلمات والعدالة المجالية.
وبين هذا وذاك، يظل ملف التعليم أحد أكثر الأوراش العمومية حساسية بالنظر إلى ارتباطه المباشر بمستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء الرأسمال البشري للمملكة.