هل تغير خطاب الأغلبية قبل الانتخابات؟.. دعوات لإنهاء توريث السياسة وهيمنة المال

الكاتب : انس شريد

08 يونيو 2026 - 08:30
الخط :

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بدأت مؤشرات مبكرة على تحول لافت في الخطاب السياسي لعدد من مكونات الأغلبية الحكومية، التي انتقلت تدريجياً من التركيز على حصيلة التدبير الحكومي إلى تبني رسائل سياسية واجتماعية موجهة إلى فئات واسعة من المواطنين، وعلى رأسها الشباب والطبقات الوسطى والفئات الشعبية.

ويأتي هذا التحول في سياق استعداد الأحزاب السياسية لمعركة انتخابية تبدو مختلفة عن سابقاتها، بالنظر إلى حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة، وإلى تزايد النقاش العمومي حول طبيعة النخب التي يفترض أن تقود المؤسسات المنتخبة خلال المرحلة المقبلة.

وخلال الأيام الأخيرة، كثفت أحزاب الأغلبية أنشطتها الميدانية والتواصلية في عدد من المدن والجهات، بالتزامن مع إعادة فتح باب التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة، في خطوة تعكس حرص هذه الأحزاب على توسيع دائرة التواصل المباشر مع المواطنين واستقطاب فئات جديدة من الناخبين.

غير أن اللافت في هذه التحركات لم يكن فقط حجم الأنشطة المنظمة، بل طبيعة الرسائل السياسية التي بدأت تروج داخل عدد من الفضاءات الحزبية، والتي تركز بشكل متزايد على مفاهيم تجديد النخب السياسية ومحاربة هيمنة المال والنفوذ وفتح المجال أمام كفاءات جديدة للولوج إلى مواقع القرار.

وفي هذا السياق، اختارت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة إطلاق مبادرة "أنا كاين"، باعتبارها حملة تحسيسية تروم تشجيع المواطنين على التسجيل في اللوائح الانتخابية والانخراط في الحياة العامة.

غير أن إحدى محطات هذه المبادرة بمدينة الدار البيضاء، يوم أمس الأحد، تحولت إلى مناسبة لإثارة نقاش سياسي يتجاوز مجرد التحفيز على المشاركة الانتخابية، بعدما أعادت النائبة البرلمانية نجوى ككوس طرح ملفات ظلت لسنوات طويلة حاضرة في النقاش السياسي المغربي، وفي مقدمتها مسألة توريث المواقع السياسية وهيمنة أصحاب المال والنفوذ على جزء من المشهد الحزبي والانتخابي.

وما منح هذه التصريحات أهمية خاصة هو صدورها عن قيادية تنتمي إلى حزب يشكل أحد الأعمدة الرئيسية للأغلبية الحكومية الحالية، الأمر الذي دفع عددا من المتابعين إلى التساؤل حول ما إذا كانت الأحزاب الحاكمة بصدد مراجعة جزء من خطابها السياسي استعداداً للانتخابات المقبلة، عبر تبني مطالب طالما رفعتها فئات شبابية وحقوقية دعت إلى تجديد النخب وإعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى المسؤولية السياسية.

وفي مداخلتها، دافعت نجوى ككوس خلال لقاء بسيدي بليوط عن رؤية تعتبر أن العمل السياسي ينبغي أن يكون مفتوحا أمام مختلف فئات المجتمع، لا أن يبقى حكرا على أسماء وعائلات اعتادت، وفق ما يفهم من خطابها، تداول المواقع نفسها داخل المشهد السياسي والانتخابي.

كما شددت على أن الرهان المطروح اليوم لا يتعلق فقط بتغيير الوجوه، بل بإعادة النظر في الآليات التي تسمح بإعادة إنتاج النخب نفسها جيلاً بعد جيل، بما يحد من فرص بروز كفاءات جديدة قادرة على التعبير عن انتظارات المواطنين.

وتعكس هذه المواقف عودة قوية إلى نقاش قديم متجدد يتعلق بعلاقة السياسة بالمال والنفوذ الاجتماعي. فخلال السنوات الماضية، لم يغب عن الساحة العمومية الجدل المرتبط بما يعرف شعبياً بـ"مول الشكارة"، في إشارة إلى الأشخاص الذين يستفيدون من إمكاناتهم المالية أو شبكات نفوذهم لتعزيز حضورهم الانتخابي والسياسي.

ورغم اختلاف التقديرات بشأن حجم هذه الظاهرة، فإنها ظلت حاضرة في عدد من النقاشات المرتبطة بإصلاح الحياة السياسية وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.

وفي قراءتها لطبيعة التمثيلية السياسية المطلوبة، دعت ككوس إلى تمكين أبناء الفئات الشعبية والطبقة المتوسطة من الوصول إلى مواقع المسؤولية، معتبرة أن من عاش تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين يكون أكثر قدرة على فهم الإكراهات المرتبطة بالصحة والتعليم والشغل والخدمات العمومية.

ولا يقتصر هذا التوجه على حزب الأصالة والمعاصرة وحده، إذ انخرطت أحزاب أخرى ضمن الأغلبية الحكومية في مبادرات مشابهة تستهدف تشجيع المشاركة السياسية والتسجيل في اللوائح الانتخابية.

فقد أطلقت الشبيبة الاستقلالية حملة "جا الوقت باش نشاركو"، فيما يواصل حزب التجمع الوطني للأحرار بدوره أنشطته التواصلية والتنظيمية في مختلف جهات المملكة. غير أن تزامن هذه المبادرات مع تصاعد النقاش حول تجديد النخب السياسية يمنحها أبعادا تتجاوز الجانب التحسيسي المرتبط بالمشاركة الانتخابية.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه مكونات الأغلبية نفسها نوعا من التنافس السياسي المبكر، تجلى في تبادل رسائل وانتقادات متفرقة خلال الأسابيع الماضية، ما يعكس استعداد كل طرف لتقوية موقعه داخل المشهد السياسي قبل موعد الاقتراع.

كما يبرز سعي مختلف الأحزاب إلى التميز بخطابات ورسائل تستجيب لمزاج انتخابي يبدو أكثر حساسية تجاه قضايا الحكامة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

ومع اقتراب العد العكسي للانتخابات التشريعية المقبلة، تبدو الدعوات إلى إنهاء توريث المواقع السياسية والحد من تأثير المال والنفوذ مرشحة لأن تحتل موقعا متقدما في النقاش العمومي خلال الأشهر المقبلة.

آخر الأخبار