مع اقتراب الولاية التشريعية والحكومية الحالية من نهايتها، تصاعد منسوب التوتر السياسي تحت قبة البرلمان بشكل لافت، سواء خلال جلسات الأسئلة الشفهية الأسبوعية بمجلس النواب أو داخل اجتماعات اللجان الدائمة المكلفة بدراسة مشاريع القوانين.
وأصبحت المواجهات الكلامية بين مكونات الأغلبية والمعارضة سمة متكررة في عدد من المحطات البرلمانية الأخيرة، في ظل تبادل الانتقادات بشأن حصيلة العمل الحكومي، وتزايد الخلافات حول تدبير النقاش العمومي داخل المؤسسة التشريعية، وسط أجواء يطبعها الاستعداد المبكر للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ولم تعد النقاشات البرلمانية تقتصر على الجوانب التقنية والتشريعية المرتبطة بمشاريع القوانين المعروضة، بل تحولت في أكثر من مناسبة إلى فضاء لتبادل الاتهامات السياسية بين الفرق النيابية، حيث تتهم المعارضة الأغلبية بالتهرب من الإجابة عن عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية المثيرة للجدل، بينما ترد الأغلبية باتهام بعض مكونات المعارضة بالسعي إلى توظيف قضايا الرأي العام لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية.
هذا المناخ المشحون انعكس بشكل واضح على سير عدد من الاجتماعات البرلمانية، التي شهدت سجالات حادة كشفت عن اتساع هوة الخلاف بين الطرفين مع دخول العد العكسي لنهاية الولاية الحالية.
وفي هذا السياق، تحولت أشغال لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس النواب، المخصصة لمناقشة مشروع القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها، اليوم الأربعاء، إلى مواجهة سياسية مباشرة بين الأغلبية والمعارضة، بعدما أثارت سلوى البردعي، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، خلال المناقشة العامة للنص التشريعي، ملف الأضاحي وتداعياته الاجتماعية والاقتصادية، معتبرة أن مختلف القضايا المرتبطة بمعيش المواطنين تدخل ضمن صلب النقاش التنموي الذي يفترض أن يحظى بالاهتمام داخل المؤسسة التشريعية.
وقالت البردعي إن التنمية لا تقتصر على المؤشرات الاقتصادية الكبرى فقط، بل تشمل أيضا قدرة المواطنين على الحفاظ على عاداتهم وشعائرهم الدينية في ظروف مناسبة، معتبرة أن النقاش العمومي الذي رافق ملف الأضاحي خلال الفترة الأخيرة يعكس حجم الانشغالات الاجتماعية التي يعيشها جزء مهم من المغاربة.
كما ربطت بين هذا الموضوع وبين مسؤولية السياسات العمومية في ضمان التوازن بين العرض والطلب داخل الأسواق، بما يحفظ القدرة الشرائية للأسر ويصون خصوصية المناسبات الدينية لدى المجتمع المغربي.
غير أن هذه المداخلة أثارت رد فعل قوي من طرف ياسين عوكاشا، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، الذي اعتبر أن إثارة مواضيع لا ترتبط مباشرة بمشروع القانون المعروض للنقاش يسيء إلى فعالية العمل البرلماني ويبعد النقاش عن أهدافه التشريعية.
وأكد أن عمل اللجان البرلمانية مؤطر بمقتضيات الدستور والنظام الداخلي للمجلس، وأن احترام جدول الأعمال يظل شرطا أساسيا لضمان جودة النقاش وإنتاج تشريعات تستجيب للانتظارات المطروحة.
وتصاعدت حدة السجال بعدما انتقد عوكاشا ما اعتبره إصرارا من بعض مكونات المعارضة على استحضار ملف عيد الأضحى في مختلف النقاشات البرلمانية، معتبرا أن الأمر تحول إلى أسلوب سياسي متكرر يروم استمالة الرأي العام من خلال إثارة مواضيع ذات حمولة عاطفية ودينية.
وأضاف أن المؤسسة التشريعية مطالبة بالحفاظ على هيبتها وعلى مستوى النقاش داخلها، بعيدا عن كل ما من شأنه تحويل الجلسات إلى فضاءات للمزايدات السياسية.
وأثارت هذه التصريحات ردود فعل فورية من جانب عدد من نواب المعارضة الذين اعتبروا أن تعميم الأحكام على مكونات المعارضة أمر غير مقبول ويتعارض مع الأعراف البرلمانية.
وشدد المتدخلون على أن المعارضة تمارس أدوارها الدستورية في الرقابة وإثارة القضايا التي تهم المواطنين، حيث أكد بعض النواب، أن رفض الأغلبية سحب موقفها، يثبت أننا أمام أسوأ أغلبية في تاريخ المغرب.
ويأتي هذا السجال في وقت يكتسي فيه مشروع القانون رقم 19.25 أهمية خاصة بالنظر إلى تزايد المخاوف المرتبطة بانتشار الحيوانات الضالة في عدد من المدن والقرى المغربية.
ويبدو أن ما جرى داخل لجنة القطاعات الإنتاجية لا يعكس فقط خلافا ظرفيا حول مشروع قانون معين، بل يكشف أيضا عن طبيعة المرحلة السياسية الحالية التي تتسم بارتفاع منسوب التجاذب بين الأغلبية والمعارضة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.