سنوات من الاختلالات.. النواب يحاصرون الحكومة بملفات العقار قبل الانتخابات

الكاتب : انس شريد

27 June 2026 - 08:30
الخط :

تواجه الحكومة، مع اقتراب نهاية ولايتها الانتدابية، تصاعدا لافتا في الضغوط البرلمانية المرتبطة بقطاع العقار، بعدما تحولت مجموعة من الملفات المؤجلة إلى محور أساسي للنقاش داخل مجلس النواب، وسط مطالب متزايدة بتسريع الإصلاحات القانونية والتنظيمية التي يعتبرها البرلمانيون ضرورية لمعالجة اختلالات عمرت لسنوات، وتنعكس بشكل مباشر على الاستثمار والسكن والتنمية الترابية.

وخلال الأسابيع الأخيرة، توالت الأسئلة الكتابية الموجهة إلى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، بشأن قضايا متنوعة تشمل العقارات السلالية، ورخص السكن، وتنظيم مهنة الوكيل العقاري، وتأطير نشاط المنعشين العقاريين، وتحديث الترسانة القانونية المؤطرة للتعمير والبناء، فضلاً عن وضعية الوداديات السكنية، في مؤشر على تنامي المطالب البرلمانية بإعادة ترتيب أولويات الإصلاح داخل قطاع يعد من أبرز محركات الاقتصاد الوطني.

وفي مقدمة الملفات التي عادت إلى واجهة النقاش، أثار فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب الإشكالات المرتبطة بالبناء فوق العقارات التابعة للجماعات السلالية، معتبراً أن عدداً من المواطنين ما يزالون يواجهون عراقيل إدارية وقانونية تحول دون الاستفادة الكاملة من التراخيص الممنوحة لهم لبناء مساكنهم، رغم استيفائهم عدداً من الشروط القانونية.

ووجه رئيس الفريق النيابي، رشيد حموني، سؤالا كتابيا إلى الوزيرة الوصية، دعا فيه إلى مراجعة المساطر الإدارية الخاصة بالعقارات السلالية، بما يراعي خصوصيتها القانونية ويضمن تبسيط الإجراءات أمام المواطنين. واعتبر أن اعتماد وثائق التعمير الجديدة وتصاميم التهيئة في عدد من المناطق أدى إلى تداخل المقتضيات القانونية الخاصة بالجماعات السلالية مع قوانين التعمير والبناء، وهو ما أفرز تعقيدات إضافية أمام المستفيدين من تراخيص البناء والاستغلال، تستدعي، بحسبه، تدخلاً تشريعياً وإدارياً يحقق الانسجام بين مختلف النصوص القانونية ويخفف من الأعباء الإدارية.

ولم يتوقف تحرك رئيس فريق التقدم والاشتراكية عند هذا الملف، بل بادر إلى إثارة إشكال آخر يرتبط برخص السكن، من خلال سؤال كتابي ثان وجهه إلى الوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري، دعا فيه إلى مراجعة المقتضيات القانونية المنظمة لتسليم هذه الرخص، بما ينسجم مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لفئات واسعة من المواطنين.

وأوضح أن عدداً كبيراً من الأسر، خاصة في العالم القروي والمناطق الحضرية الناشئة، تضطر إلى تشييد الطابق الأرضي فقط من مساكنها المرخصة بسبب محدودية إمكانياتها المالية، قبل استكمال الأشغال في مراحل لاحقة، غير أنها تصطدم بعدم إمكانية الحصول على رخصة السكن، وهو ما يحرمها من ربط مساكنها بشبكتي الماء والكهرباء ويطيل معاناتها.

وأشار حموني إلى أن الحق في السكن، الذي يكفله الفصل 31 من دستور المملكة، يفرض اعتماد حلول قانونية أكثر مرونة تستجيب للواقع الاجتماعي، مقترحاً إحداث رخصة سكن جزئية ومؤقتة تمنح للأجزاء المنجزة بشكل قانوني من البنايات، على أن تكون صالحة لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، بما يسمح للمواطنين بالاستفادة من الخدمات الأساسية، مع استكمال بقية الأشغال تدريجياً وفق إمكانياتهم المالية، معتبراً أن هذا الإجراء من شأنه التخفيف من الأعباء التي تثقل كاهل الأسر، وتبسيط المساطر الإدارية، ودعم الولوج إلى السكن اللائق.

وفي ملف آخر، عاد تنظيم مهنة الوكيل العقاري إلى واجهة النقاش البرلماني، بعدما طالب النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، مصطفى إبراهيمي، بالكشف عن أسباب استمرار تأخر إخراج مشروع القانون رقم 36.17 المتعلق بتنظيم المهنة، معتبراً أن غياب إطار قانوني واضح ساهم في انتشار ممارسات غير مهيكلة داخل سوق الوساطة العقارية، وأضعف مستوى الشفافية، وفتح المجال أمام متدخلين لا يتوفرون على الشروط المهنية المطلوبة.

وطالب إبراهيمي بالكشف عن الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لتسريع إخراج مشروع القانون إلى حيز التنفيذ، وعن الجدول الزمني المعتمد لاعتماده، بما يستجيب لانتظارات آلاف المهنيين العاملين في قطاع الوساطة العقارية والمنعشين العقاريين، إلى جانب المواطنين المرتفقين بخدمات القطاع.

ومن جانبه، فتح النائب البرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار، توفيق كميل، ملفات أخرى اعتبرها ذات أولوية، في مقدمتها غياب قانون خاص ينظم مهنة المنعش العقاري، معتبراً أن استمرار هذا الفراغ التشريعي يحد من قدرة القطاع على مواكبة الدينامية الاقتصادية والعمرانية التي تعرفها المملكة، رغم الدور المحوري الذي يضطلع به الإنعاش العقاري في تحريك الاستثمار وخلق فرص الشغل.

كما دعا كميل إلى إطلاق مراجعة شاملة لمختلف النصوص القانونية المنظمة للعقار والتعمير والإسكان، معتبراً أن عدداً منها لم يعد يواكب التحولات المتسارعة التي شهدها المجال العمراني خلال العقود الأخيرة، الأمر الذي يفرض تحديثها لتعزيز الأمن القانوني، وتحسين مناخ الاستثمار، وتبسيط الإجراءات الإدارية المرتبطة بمختلف العمليات العقارية.

وامتد النقاش البرلماني ليشمل كذلك وضعية الوداديات السكنية، حيث طالب النائب نفسه بإجراء تقييم شامل للإطار القانوني المؤطر لهذا المجال، في ظل تزايد الشكايات المرتبطة بتعثر عدد من المشاريع السكنية أو تأخر إنجازها، وما يترتب عن ذلك من أضرار اجتماعية واقتصادية تلحق بالمنخرطين الذين استثمروا مدخراتهم في هذه المشاريع.

ويرى عدد من البرلمانيين أن غياب قانون خاص بالوداديات السكنية يفتح الباب أمام اختلالات تتعلق بالحكامة والشفافية وآليات المراقبة، وهو ما يستوجب، بحسبهم، إعداد إطار تشريعي متكامل يحدد شروط التأسيس والتسيير والمراقبة، ويوفر ضمانات قانونية أكبر لحماية حقوق المنخرطين.

وتعكس هذه الملفات حجم التحديات التي ما تزال تواجه قطاع العقار في المرحلة الأخيرة من الولاية الحكومية، خاصة أن جانباً كبيراً منها يرتبط بإصلاحات ينتظرها المواطنون والمهنيون منذ سنوات، في وقت تتصاعد فيه الضغوط البرلمانية لتقييم حصيلة الإصلاحات المنجزة، ومدى قدرتها على معالجة الاختلالات البنيوية التي يعرفها القطاع.

ومع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تبدو الملفات العقارية مرشحة لمواصلة تصدر النقاش السياسي والمؤسساتي، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بقضايا السكن والاستثمار والتشغيل والتنمية المجالية، فيما تترقب الأوساط المهنية والاقتصادية الأجوبة الحكومية بشأن هذه الملفات، ومدى قدرة السلطة التنفيذية على تحويل المطالب البرلمانية إلى إصلاحات عملية قبل إسدال الستار على الولاية الحكومية الحالية.

آخر الأخبار