ضغط نهاية الولاية.. هل يتحول ملف العالم القروي إلى ورقة صراع داخل الأغلبية الحكومية؟
مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، عاد ملف التزويد بالماء الصالح للشرب في العالم القروي إلى صدارة النقاش داخل مجلس النواب، في ظل استمرار شكاوى عدد من المناطق القروية والجبلية من الانقطاعات المتكررة ونقص الموارد المائية، رغم التحسن الذي سجلته المؤشرات المائية خلال الأشهر الأخيرة بفضل التساقطات المطرية التي ساهمت في رفع منسوب السدود وتعزيز المخزون الوطني من المياه.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية المنعقدة، اليوم الاثنين 22 يونيو، وجه عدد من النواب البرلمانيين انتقادات للحكومة بشأن استمرار معاناة سكان دواوير ومناطق نائية من صعوبات الولوج المنتظم إلى الماء الشروب، معتبرين أن التحسن المسجل على مستوى الاحتياطات المائية لم ينعكس بالشكل المطلوب على الواقع اليومي لآلاف الأسر التي لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بالتزود بهذه المادة الحيوية، خصوصاً خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة.
وفي هذا السياق، أكدت النائبة البرلمانية عن حزب التجمع الوطني للأحرار، حياة ومنجوج أن الجهود المبذولة لمواجهة تداعيات الإجهاد المائي تستحق التقدير، مشيدة بالإجراءات التي ساهمت في تحسين الوضعية المائية للمملكة خلال الفترة الأخيرة، غير أنها اعتبرت أن المؤشرات الإيجابية المسجلة على مستوى ملء السدود لا تعني بالضرورة تجاوز مختلف الإكراهات المرتبطة بتوفير الماء الصالح للشرب لفائدة سكان العالم القروي.
وأوضحت النائبة البرلمانية أن عددا من الدواوير والمناطق الجبلية ما يزال يعاني من ضعف التزويد والانقطاعات المتكررة، خاصة في فترات الذروة، مشيرة إلى أن محدودية البنيات التحتية وتأخر إنجاز بعض المشاريع المائية واستنزاف الموارد المحلية تظل من أبرز العوامل التي تعيق ضمان تزويد مستقر ومنتظم للسكان.
وسجلت أن التفاوتات المجالية في الاستفادة من المشاريع المائية ما تزال تثير تساؤلات متزايدة، معتبرة أن نجاح السياسات العمومية في هذا المجال يقاس بمدى استفادة مختلف المواطنين من حقهم في الماء، بغض النظر عن مواقعهم الجغرافية.
كما دعت إلى تسريع تنفيذ المشاريع المبرمجة وتعزيز الاستثمارات الموجهة للمناطق القروية والجبلية تفادياً لأي ضغوط إضافية قد تعرفها الموارد المائية خلال فصل الصيف.
من جهته، شدد النائب البرلماني عن حزب الاصالة والمعاصرة، إدريس الشبشالي على أن المغرب يواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالإجهاد المائي نتيجة توالي سنوات الجفاف وتأثيرات التغيرات المناخية، إلى جانب الارتفاع المستمر في الطلب على الموارد المائية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على وضعية الفرشات المائية والاحتياطات المتاحة في عدد من المناطق.
وأشار إلى أن البرنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب ومياه السقي للفترة الممتدة بين 2020 و2027 مكّن من إطلاق وإنجاز مجموعة من المشاريع المهمة، إلا أن الحاجة ما تزال قائمة لتسريع وتيرة التدخلات الميدانية، خاصة بالمناطق التي تعاني من الخصاص المائي، لضمان استمرارية التزود بالماء وتحسين ظروف عيش الساكنة.
ودعا الشبشالي إلى توسيع شبكات توزيع الماء وربط المزيد من الدواوير بها، مع تكثيف عمليات حفر وتجهيز الآبار والأثقاب الاستكشافية والإنتاجية بالمناطق الأكثر تضرراً من الجفاف.
كما طالب بتعميم الاعتماد على الطاقة الشمسية في تشغيل أنظمة التزويد بالماء، بما يساهم في تقليص تكاليف الاستغلال وضمان استدامة الخدمات بالمجالات القروية.
وأكد المتحدث ذاته أهمية دعم الجمعيات المكلفة بتدبير مرافق الماء القروي عبر توفير الإمكانيات المالية والتقنية الضرورية، إلى جانب تعزيز برامج التكوين والتأطير، مع توسيع الاعتماد على الشاحنات الصهريجية لتأمين حاجيات السكان خلال فترات الخصاص والانقطاعات الطارئة.
وفي رده على مداخلات النواب، أكد وزير التجهيز والماء، نزار بركة، أن قضية الماء تحظى بأولوية خاصة ضمن التوجهات الاستراتيجية للمملكة، مشيراً إلى أن مختلف البرامج والمشاريع الجاري تنفيذها تندرج في إطار رؤية شاملة تستهدف تعزيز الأمن المائي وتحقيق تنمية مجالية متوازنة ومستدامة.
وأوضح الوزير أن المخطط التنموي المندمج، الذي تقدر كلفته الإجمالية بنحو 210 مليارات درهم، يتضمن استثمارات مهمة موجهة لتطوير البنيات التحتية المائية وتعزيز قدرات التزود بالماء الصالح للشرب بمختلف الجهات، مؤكداً أن السلطات العمومية تعمل على تسريع وتيرة إنجاز المشاريع ذات الأولوية لمواكبة الحاجيات المتزايدة للسكان.
وأضاف أن وزارة الداخلية تشتغل بتنسيق مع الشركات الجهوية متعددة الخدمات على إعداد مخططات دقيقة لتحديد الإمكانات المائية المتاحة على مستوى مختلف الدواوير، بهدف ضمان توزيع أكثر نجاعة للموارد المائية وتحقيق قدر أكبر من العدالة المجالية في الاستفادة من هذه الخدمة الأساسية.
كما أبرز أن المملكة تعتمد رؤية استراتيجية تمتد إلى أفق سنة 2050، تروم استشراف الحاجيات المستقبلية من المياه ووضع الآليات الكفيلة بتدبيرها في ظل التحديات المناخية المتزايدة، مشدداً على أن ترشيد الاستهلاك وتحسين مردودية شبكات التوزيع يمثلان أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة.
وكشف الوزير أن نسبة ضياع المياه بسبب التسربات واختلالات الشبكات تتراوح بين 30 و40 في المائة بالنسبة للماء الصالح للشرب، بينما تتجاوز في بعض الأنظمة الفلاحية نسبة 50 في المائة، ما يستوجب مواصلة الاستثمارات الرامية إلى تجديد الشبكات والرفع من كفاءتها للحد من الهدر وتحسين استغلال الموارد المتاحة.
وفي ما يتعلق بالتدابير الاستعجالية، أفاد المسؤول الحكومي بأنه جرى تعبئة 1400 شاحنة صهريجية لتأمين تزويد المناطق المتضررة بالماء الشروب، مؤكداً أن هذه الإجراءات تظل مرحلية، في انتظار استكمال المشاريع الهيكلية التي تراهن عليها المملكة لضمان أمن مائي مستدام وتوفير خدمات التزود بالماء بشكل منتظم لفائدة المواطنين بمختلف المناطق، ولا سيما بالعالم القروي الذي يظل في صلب الأولويات المرتبطة بالعدالة المجالية والتنمية الترابية.
ويأتي هذا الجدل، في ظل الخلافات التي أصبحت تطفو إلى السطح بشكل علني، خاصة في ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وهي الملفات التي تحولت إلى محور رئيسي للصراع السياسي ومحاولة كل طرف تحميل المسؤولية للآخر أمام الرأي العام.