رئاسة لجنة تقصي الحقائق.. هل يلبس "البام" جلباب المعارضة قبل نهاية الولاية؟
تتجه الأنظار داخل المؤسسة التشريعية إلى الخطوات المرتقبة المرتبطة بمبادرة تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق بشأن الدعم العمومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية، في ملف تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أبرز عناوين النقاش السياسي والبرلماني بالمغرب، في ظل تزايد المطالب بالكشف عن حصيلة البرامج الحكومية المخصصة لدعم هذا القطاع ومدى انعكاسها على أسعار اللحوم الحمراء في السوق الوطنية.
وتسعى أحزاب المعارضة إلى حشد التأييد اللازم لإحداث لجنة لتقصي الحقائق بشأن تدبير الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام، معتبرة أن هذه الآلية الدستورية تمثل الإطار الأنسب لتجميع المعطيات والاستماع إلى مختلف المتدخلين وتقييم النتائج المحققة مقارنة بالأهداف التي أعلنتها الحكومة عند إطلاق البرنامج.
وفي هذا السياق، برزت مواقف داخل كل من حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال تدعو إلى الانخراط في أي مسار يروم كشف مختلف المعطيات المرتبطة بملف دعم استيراد المواشي، وهو ما تم اعتباره مؤشرا على تباين في المواقف داخل مكونات الأغلبية الحكومية بشأن هذا الملف الذي أثار جدلا واسعا خلال الفترة الأخيرة.
ووفقا للمعطيات المتوفرة لدى "الجريدة 24" من مصادرها، فإن بداية الأسبوع المقبل ستشهد اجتماعا سيخصص لمناقشة الترتيبات اللازمة للشروع في مسطرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وفقا للقانون التنظيمي والنظام الداخلي لمجلس النواب، بما يشمل جمع التوقيعات اللازمة والاتفاق على هيكلة اللجنة.
ويراهن حزب الأصالة والمعاصرة، حسب مصادر الجريدة 24، على الدفع بالنائب البرلماني مولاي هشام المهاجري لرئاسة اللجنة، فيما يرتقب أن تدعم أحزاب المعارضة بمجلس النواب مقترح تعيينه على رأس هذه الهيئة الرقابية في حال استكمال المسطرة القانونية الخاصة بإحداثها.
ويعكس الحراك السياسي الدائر حول هذا الملف تنامي المطالبة بتعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتكريس الشفافية في تدبير برامج الدعم العمومي، خصوصا تلك المرتبطة بشكل مباشر بالقدرة الشرائية للمواطنين.
غير أن المسار المؤدي إلى إحداث لجنة لتقصي الحقائق يواجه تحديات قانونية وزمنية قد تحد من فرص إخراجها إلى حيز الوجود.
فالمقتضيات الدستورية تفرض استكمال مسطرة دقيقة تشمل جمع العدد المطلوب من التوقيعات قبل مباشرة الإجراءات التنظيمية اللازمة، وهو ما يتطلب توافقات سياسية واسعة داخل البرلمان. كما أن اقتراب نهاية الولاية التشريعية يطرح إشكالا إضافيا يتعلق بضيق الوقت المتبقي لإنجاز المهام المنوطة باللجنة في حال تشكيلها.
ويؤكد عدد من الفاعلين السياسيين أن عامل الزمن قد يكون حاسما في هذا الملف، بالنظر إلى أن لجان تقصي الحقائق تحتاج إلى فترة كافية لعقد جلسات الاستماع وجمع الوثائق والمعطيات وإعداد تقريرها النهائي.
ومع اقتراب انتهاء الولاية التشريعية الحالية، تبرز مخاوف من أن تتحول المبادرة إلى عنوان سياسي بارز دون أن تتمكن من بلوغ أهدافها الرقابية كاملة على أرض الواقع.
ويستند هذا الطرح إلى التجربة البرلمانية المغربية التي عرفت لجوءا محدودا إلى هذه الآلية الرقابية منذ إقرارها.
فمنذ سنة 1979 لم يتم تفعيل لجان تقصي الحقائق سوى في عدد محدود من الملفات المرتبطة بقضايا اعتبرت ذات أهمية وطنية كبرى، وهو ما يجعل اللجوء إليها حدثا استثنائيا في الممارسة البرلمانية المغربية.
في المقابل، أعلن الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار عدم انخراطه في المبادرة الرامية إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول مختلف أشكال الدعم الموجه لقطاع المواشي، مع تأكيده مواصلة ممارسة أدواره الرقابية عبر الآليات الدستورية الأخرى المتاحة.
واعتبر الفريق في بلاغ له أن المبادرات السابقة المرتبطة بالموضوع لم تستوف الشروط القانونية المطلوبة، سواء تعلق الأمر بمقترح إحداث لجنة لتقصي الحقائق أو بمبادرة تشكيل لجنة استطلاعية.
وأوضح الفريق أن الإكراه الزمني المرتبط بقرب انتهاء الولاية التشريعية يشكل عائقا موضوعيا أمام نجاح المبادرة، معتبرا أن الآجال المتبقية لا تسمح باستكمال مختلف المراحل القانونية والتنظيمية اللازمة لإحداث اللجنة وإنجاز مهامها بالشكل المطلوب.
كما عبر عن تخوفه من أن يؤدي هذا المعطى إلى إفراغ المبادرة من مضمونها الرقابي وتحويلها إلى مادة للتجاذب السياسي أكثر من كونها أداة للمحاسبة المؤسساتية.
وأكد الفريق تمسكه بخيار الاستقرار الحكومي واحترام الالتزامات السياسية التي تجمع مكونات الأغلبية، مشيرا إلى أن تقييم السياسات العمومية يجب أن يتم في إطار المؤسسات والآليات الدستورية المتاحة، بما يضمن التوازن بين الرقابة البرلمانية واستمرارية العمل الحكومي.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المشاورات الجارية داخل مجلس النواب، يبقى مصير لجنة تقصي الحقائق مرتبطا بقدرة أصحاب المبادرة على تأمين الدعم السياسي والقانوني اللازمين لتفعيلها، وبمدى تجاوز عقبة الزمن التشريعي التي تفرض نفسها بقوة على مختلف الفاعلين.