فوضى استمرت سنوات.. الدار البيضاء تحسم ملف المحلات العشوائية بقرارات صارمة
تشهد مدينة الدار البيضاء خلال الفترة الأخيرة دينامية ميدانية غير مسبوقة لإعادة تنظيم عدد من الفضاءات التجارية التي ظلت لسنوات خارج الإطار القانوني، في سياق تحركات متواصلة تستهدف وضع حد لمظاهر الاحتلال غير المشروع للملك العمومي، وإعادة الاعتبار للمجال الحضري بالعاصمة الاقتصادية، تزامنا مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية للمجالس المنتخبة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه مطالب الساكنة بإنهاء مظاهر الفوضى التي رافقت انتشار المحلات العشوائية والأسواق غير المهيكلة بمناطق مختلفة من المدينة، بعدما تحولت في عدد من الأحياء إلى مصدر للازدحام وإعاقة حركة السير والجولان، فضلا عن انعكاساتها السلبية على جمالية الفضاء العام وعلى ظروف اشتغال التجار الملتزمين بالقوانين المنظمة للأنشطة التجارية.
وفي هذا الإطار، أصدر محمد امهيدية، والي جهة الدار البيضاء-سطات، تعليمات لرؤساء المقاطعات والسلطات المحلية بضرورة تسريع وتيرة التدخلات الميدانية الرامية إلى تحرير الملك العمومي، والقضاء على مختلف أشكال الاستغلال غير القانوني للفضاءات العمومية، مع الحرص على تنزيل هذه الإجراءات وفق مقاربة توازن بين احترام القانون ومراعاة الأبعاد الاجتماعية المرتبطة بالأنشطة التجارية.
وتفيد المعطيات التي حصلت عليها الجريدة 24 من مصادرها، بأن هذه الحملة تندرج ضمن رؤية شاملة لإعادة تأهيل العاصمة الاقتصادية، تقوم على استرجاع الفضاءات العمومية التي ظلت لسنوات تحت الاحتلال العشوائي، وتهيئتها بما ينسجم مع المشاريع التنموية التي تشهدها المدينة، سواء من خلال إعادة تنظيم الأسواق أو إحداث فضاءات تستجيب لحاجيات المواطنين وتعزز جاذبية الدار البيضاء.
وأكدت المصادر ذاتها أن السلطات المحلية تعمل بتنسيق وثيق مع جماعة الدار البيضاء والمصالح التقنية ومختلف المتدخلين، من أجل ضمان تنفيذ هذه العمليات وفق برنامج تدريجي يشمل عددا من البؤر التي عرفت انتشارا واسعا للبناءات والمحلات العشوائية، وذلك في إطار استراتيجية تروم القطع مع مظاهر الفوضى التي تراكمت على امتداد سنوات.
وشهد سوق القريعة، أحد أكبر الفضاءات التجارية بالعاصمة الاقتصادية، انطلاق واحدة من أبرز هذه العمليات الميدانية، حيث باشرت السلطات المحلية، منذ يوم أمس الخميس، حملة واسعة لتحرير الملك العمومي، استهدفت بالأساس الأنشطة المرتبطة ببيع الزليج، بعدما تحول جزء من السوق إلى فضاء يشهد استغلالا غير قانوني للمجال العام، الأمر الذي فرض تدخلا لإعادة النظام إلى هذا المرفق التجاري المعروف.
وأسفرت العملية، بحسب المعطيات المتوفرة للجريدة 24، عن هدم 17 محلا عشوائيا كانت مشيدة داخل سوق الزليج بالقريعة، في خطوة اعتبرها متابعون بداية مرحلة جديدة لإعادة تنظيم واحد من أشهر الأسواق التجارية بمدينة الدار البيضاء، والذي يستقطب يوميا أعدادا كبيرة من المهنيين والزبائن.
ولم تقتصر التدخلات على إزالة البنايات غير القانونية، بل شملت أيضا تحرير الممرات والفضاءات المشتركة التي كانت مستغلة خارج الضوابط القانونية، بما يسمح باستعادة الانسيابية داخل السوق وتحسين ظروف الحركة بالنسبة للتجار والمرتفقين، إلى جانب تمكين المصالح المختصة من مباشرة عمليات التهيئة وإعادة التنظيم في المراحل المقبلة.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن هذه الإجراءات تعكس إرادة واضحة لإعادة فرض احترام القانون داخل الفضاءات العمومية، خصوصا بعد سنوات من التوسع التدريجي للمحلات العشوائية التي استفادت من غياب المراقبة في عدد من المواقع، وهو ما ساهم في تعقيد عملية تدبير الأسواق التقليدية وخلق اختلالات أثرت على المشهد الحضري للعاصمة الاقتصادية.
وتؤكد المؤشرات الميدانية أن حملة تحرير الملك العمومي مرشحة للتوسع خلال الأسابيع المقبلة لتشمل نقاطا أخرى ظلت لسنوات عنوانا للفوضى والعشوائية، في وقت تشدد فيه السلطات على أن احترام القانون والحفاظ على النظام العام أصبحا من أولويات المرحلة، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الحضرية وحماية الحقوق المشروعة لمختلف المتدخلين، ويطوي صفحة طويلة من الاختلالات التي طبعت تدبير عدد من الأسواق والمحلات العشوائية بمدينة الدار البيضاء.