بعد أزمة سبتة.. مافيا الهجرة تغير قواعدها وتتخفى خلف مجموعات التوظيف وواتساب
تدخل تداعيات موجة العبور الجماعي التي شهدتها المنطقة الحدودية المحيطة بمدينة سبتة المحتلة خلال نهاية يوليوز مرحلة جديدة، بعدما بدأت السلطات الإسبانية في الانتقال من تدبير التدفق البشري المفاجئ إلى محاولة تفكيك الشبكات الرقمية التي ساهمت في التعبئة والتحريض على العبور، وسط مؤشرات على أن هذه الشبكات لم تتوقف، وإنما شرعت في تغيير أساليب عملها والانتقال إلى فضاءات إلكترونية أقل وضوحاً وأكثر صعوبة في الرصد.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن تشديد المراقبة الأمنية وإغلاق أو تراجع نشاط مجموعات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي دفع القائمين على عمليات التعبئة إلى البحث عن قنوات بديلة، بعدما أصبحت الصفحات والمجموعات التي تتحدث بشكل مباشر عن الهجرة غير النظامية والعبور نحو سبتة ومليلية أكثر عرضة للمتابعة والحذف والمراقبة.
وفي هذا السياق، برز تحول لافت في طبيعة الفضاءات الرقمية التي تستقطب الراغبين في الهجرة، إذ لم يعد النشاط يتركز فقط داخل مجموعات تحمل عناوين واضحة مرتبطة بالهجرة أو الوصول إلى أوروبا، بل بدأ يظهر في مجموعات تبدو، في ظاهرها، مخصصة للبحث عن فرص العمل أو النقاشات الشبابية، قبل أن ينتقل التواصل في مراحل لاحقة إلى قنوات خاصة وتطبيقات للمراسلة، وفي مقدمتها «واتساب».
وتكشف نتائج تحليل أجرته شركة "Golden Owl"، المتخصصة في استخبارات المصادر المفتوحة والمرتبطة بالمنتزه العلمي لجامعة أليكانتي، عن حجم التحول الذي طرأ على البيئة الرقمية التي تستعمل في عمليات التعبئة. فقد رصدت الشركة تراجعاً كبيراً في نشاط خمس مجموعات رئيسية على «فيسبوك»، كان مجموع أعضائها يتجاوز 200 ألف مستخدم، بالتزامن مع تشديد المتابعة الأمنية عقب موجة العبور الأخيرة.
ولا يعني تراجع حضور هذه المجموعات، وفق المعطيات التي أوردها التحليل، اختفاء النشاط المرتبط بها أو تفكك شبكات التواصل التي كانت تجمع المشاركين فيها. فالانتقال إلى فضاءات أقل وضوحاً قد يكون جزءاً من محاولة لإعادة بناء قنوات الاتصال بعيداً عن المجموعات التي أصبحت معروفة لدى أجهزة المراقبة، وهو ما يفرض تحدياً جديداً أمام الجهات المكلفة بتتبع هذا النوع من الأنشطة الرقمية.
وتظهر المؤشرات التي جرى رصدها أن بعض القائمين على هذه الشبكات باتوا يتفادون استخدام المصطلحات المباشرة التي تشير إلى الهجرة أو العبور، ويعتمدون بدلاً منها على عبارات ومواضيع عامة تسمح بجذب المستخدمين من دون كشف الغرض الحقيقي من التواصل منذ البداية. وتوفر هذه الطريقة إمكانية الوصول إلى فئات جديدة من المستخدمين عبر صفحات مفتوحة، قبل نقل النقاش إلى مجموعات مغلقة أو تطبيقات مراسلة يصعب على المراقبة المفتوحة الوصول إلى محتوياتها.
ويبرز الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً ضمن الفئات الأكثر استهدافاً في عمليات الاستقطاب الرقمي التي رصدها التحليل، خصوصاً الأشخاص الباحثين عن فرص عمل أو الذين يعانون من البطالة. وتستغل الرسائل المتداولة في هذه البيئات الرقمية الرغبة في الوصول إلى أوروبا، لتقديم الهجرة باعتبارها خياراً ممكناً، قبل توجيه المستخدمين إلى قنوات أكثر خصوصية للحصول على تفاصيل إضافية.
وحسب التقرير، لم يعد الاهتمام مقتصراً على سبتة، التي كانت خلال موجة يوليوز الأخيرة محور التعبئة، إذ بدأت مليلية تظهر بشكل أكثر وضوحاً ضمن النقاشات الرقمية، إلى جانب تداول إشارات مرتبطة بموانئ جزائرية باعتبارها مسارات بديلة محتملة. ويعكس ذلك، بحسب المعطيات نفسها، قدرة هذه الشبكات على إعادة ترتيب أولوياتها بسرعة كلما ارتفع مستوى المراقبة على مسار معين.
ويأتي هذا التحول في وقت لم تهدأ فيه المخاوف الإسبانية من احتمال تجدد محاولات العبور الجماعي.
فقد استمرت خلال الأيام الأخيرة رسائل ومنشورات تدعو إلى التحرك مجدداً في اتجاه سبتة يوم 15 غشت، وهو موعد أثار انتباه السلطات بالنظر إلى التجربة التي عاشتها المنطقة خلال نهاية يوليوز، عندما تحولت دعوات متداولة على شبكات التواصل إلى تعبئة واسعة استدعت استنفاراً أمنياً على جانبي الحدود.
وتتعامل السلطات الإسبانية مع هذه الدعوات بحذر، خصوصاً بعدما أظهرت الأحداث السابقة قدرة منصات التواصل الاجتماعي على نشر الدعوات بسرعة والوصول إلى أعداد كبيرة من المستخدمين خلال فترة زمنية قصيرة. ولذلك لم تعد مراقبة المجموعات التي تعلن صراحة عن أهدافها كافية، إذ أصبح التركيز يتجه أيضاً إلى طبيعة الخطاب المستخدم، وأنماط انتقال المستخدمين بين المجتمعات الرقمية، والعلاقات التي تربط بين صفحات تبدو في الظاهر منفصلة عن ملف الهجرة.
ويحذر تحليل "Golden Owl" من أن التراجع الظاهر في نشاط بعض المجموعات الكبرى لا ينبغي أن يُفهم باعتباره نهاية للظاهرة، بقدر ما قد يكون مؤشراً على انتقالها إلى مرحلة أكثر تحفظا.
ومع استمرار تداول موعد 15 غشت باعتباره تاريخاً محتملاً لتحرك جديد، تبقى السلطات أمام اختبار أمني جديد، في وقت تحاول فيه منع تكرار سيناريو نهاية يوليوز من دون أن تتحول الحدود إلى نقطة استقطاب دائمة للتعبئة الرقمية.