ملف التقاعد يشعل أول مواجهة أمام الحكومة المقبلة.. احتجاجات مرتقبة ووعود تحت الاختبار
يبدو أن الحكومة المغربية المقبلة ستجد نفسها منذ بداية ولايتها أمام عدد من الملفات الاجتماعية الثقيلة، غير أن قضية التقاعد مرشحة لاحتلال موقع متقدم في أجندتها، بعدما عادت أوضاع المتقاعدين إلى واجهة النقاش العام عقب انتهاء الانتخابات التشريعية الأخيرة.
ولم يعد النقاش يقتصر على مراجعة قيمة المعاشات، بل اتسع ليشمل القدرة الشرائية، وكلفة العلاج، والحماية الاجتماعية، ووضعية الأرامل وذوي الحقوق، فضلاً عن مستقبل منظومة التقاعد برمتها.
وتتجه الأنظار في هذا السياق إلى الشارع، بعدما أعلنت الهيئات التي تمثل المتقاعدين استعدادها لتنظيم وقفة احتجاجية بالعاصمة الرباط يوم الخميس فاتح أكتوبر المقبل، بالتزامن مع اليوم الدولي للمسنين.
ويرتقب أن تشكل هذه المحطة مناسبة لرفع مطالب اجتماعية ومالية ظلت حاضرة منذ سنوات، في مقدمتها تحسين مستوى المعاشات وربطها بشكل أكثر واقعية بمتطلبات الحياة اليومية، خصوصاً في ظل ارتفاع النفقات المرتبطة بالغذاء والسكن والعلاج.
وتطالب الشبكة المغربية لهيآت المتقاعدين بالمغرب من خلال هذه الخطوة بإعادة الاعتبار إلى هذه الفئة، والدفع نحو إجراءات تضمن لها دخلاً أكثر انسجاماً مع تكاليف المعيشة. وتتمحور مطالب المحتجين أساساً حول تحديد حد أدنى للمعاش في 5000 درهم، إلى جانب تعزيز التغطية الصحية والاجتماعية وتطوير الخدمات الموجهة إلى المتقاعدين، مع التشبث بالحفاظ على المكتسبات وعدم تمرير أي إجراءات يعتبرونها تراجعاً عن الحقوق المرتبطة بالتقاعد.
ويأتي هذا التصعيد في وقت توجد فيه على طاولة الحكومة المقبلة وعود انتخابية متفاوتة من حيث السقف والمقاربة.
ولا تقتصر المطالب على الزيادة في قيمة المعاشات، إذ يطرح اتحاد متقاعدي التعليم بالمغرب، التابع لنقابة التوجه الديمقراطي، جملة من الملفات المرتبطة بتدبير منظومة التقاعد.
ويطالب الاتحاد برفع ملموس للمعاشات واعتماد مراجعة منتظمة لها، بما يسمح بالحفاظ على القدرة الشرائية، كما يدعو إلى فتح تحقيق شامل وشفاف بشأن ما يعتبره اختلالات في تدبير صناديق التقاعد والتعاضديات، مع تحديد المسؤوليات واسترجاع الأموال والحقوق التي يقول إنها تضررت.
وفي الجانب الحزبي، لا تبدو مقاربة التقاعد موحدة، إذ تختلف التصورات المطروحة باختلاف البرامج الانتخابية.
فقد اقترح حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية رفع الحد الأدنى للمعاشات بنسبة 25 في المائة، مع العمل على معالجة الفوارق بين مستويات المعاشات وتحسين استفادة المتقاعدين من الخدمات الصحية.
بينما ركز حزب الأصالة والمعاصرة على ضمان حد أدنى للمعاش يبلغ 3000 درهم شهرياً، مع إيلاء عناية خاصة للأرامل والفئات الأكثر هشاشة.
أما حزب الاستقلال، فيطرح إصلاحاً تدريجياً لمنظومة التقاعد، يجمع بين تحسين المعاشات ومراعاة تطور تكاليف المعيشة والحفاظ على التوازنات المالية للصناديق والحقوق المكتسبة.
وتتزامن هذه المطالب مع بداية تشكل المشهد الحكومي الجديد، وسط حديث عن تحالفات محتملة تضم حزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة، مع إمكانية التحاق التجمع الوطني للأحرار، فيما برز كذلك اهتمام الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالمشاركة في الأغلبية المقبلة.
وفي حال انتقال هذه الأحزاب من مرحلة البرامج الانتخابية إلى تدبير الشأن الحكومي، فإن الوعود المتعلقة بالتقاعد ستصبح أمام اختبار التنفيذ، وليس فقط أمام اختبار الخطاب السياسي.
وبذلك، يدخل ملف التقاعد مرحلة جديدة عنوانها الفارق بين ما يطالب به المتقاعدون وما تعرضه البرامج الحزبية من حلول، في وقت تزداد فيه الضغوط الاجتماعية المرتبطة بتكاليف الحياة والصحة.
وستكون الحكومة المقبلة مطالبة بالتعامل مع هذا الملف من زاوية تتجاوز الزيادة الظرفية في المعاشات، نحو تصور أكثر شمولاً يحدد مستقبل أنظمة التقاعد، ويضمن استدامتها المالية، ويحمي القدرة الشرائية للمتقاعدين والأرامل وذوي الحقوق، ويحول الوعود التي رافقت الاستحقاقات الانتخابية إلى إجراءات واضحة وقابلة للتنفيذ.