بعد نتائج الانتخابات.. تحالفات حزبية تلوح في معركة الطعون
لم تنتهِ تداعيات الانتخابات التشريعية لسنة 2026 بمجرد إعلان نتائج الاقتراع، بعدما دخل عدد من الأحزاب والمرشحين مرحلة جديدة من المنافسة السياسية، انتقلت فيها المعركة من صناديق التصويت إلى المساطر القانونية، مع تحرك أطراف انتخابية لإعداد ملفات للطعن في نتائج عدد من الدوائر التي شهدت تنافساً قوياً، أو سجلت بشأنها ملاحظات مرتبطة بمراحل مختلفة من العملية الانتخابية.
وتأتي هذه التحركات في أعقاب نتائج أفرزت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه حزب التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، بينما حقق حزب العدالة والتنمية عودة قوية إلى الواجهة بحصوله على 54 مقعداً، مقارنة بـ13 مقعداً فقط خلال انتخابات سنة 2021، في وقت أظهرت فيه نتائج عدد من الدوائر تقارباً في أصوات المتنافسين، ما فتح الباب أمام اعتراضات وملفات قانونية جديدة.
ومع انتقال العملية الانتخابية إلى مرحلة ما بعد إعلان النتائج، شرعت أحزاب ومرشحون في جمع الوثائق والمعطيات التي يعتبرونها ضرورية لإعداد طعونهم، من محاضر مكاتب التصويت وعمليات الفرز إلى إفادات ممثلي اللوائح والملاحظات المسجلة خلال الحملة الانتخابية ويوم الاقتراع، في محاولة لتوثيق مختلف الوقائع التي يرون أنها تستحق عرضها على الجهات القضائية المختصة.
وفي دائرة بنسليمان، لم يغلق الإعلان عن النتائج الباب أمام الجدل، بعدما بدأت تحركات لإعداد ملفات قانونية تتعلق بالعملية الانتخابية، وسط حديث عن تنسيق بين مرشح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الميلودي بوزيري ومرشح حزب العدالة والتنمية محمد بنجلول من أجل جمع المعطيات والوثائق التي يعتبرانها مرتبطة بالملاحظات المسجلة خلال الاستحقاق.
ويستند هذا التحرك إلى رغبة المرشحين المعنيين في عرض ما يتوفران عليه من عناصر أمام القضاء، باعتباره الجهة المخولة قانوناً للنظر في مدى تأثير أي اختلالات أو مخالفات مزعومة على سلامة العملية الانتخابية والنتائج المعلنة، في انتظار ما قد تسفر عنه الملفات في حال وضعها بشكل رسمي داخل الآجال القانونية.
وفي دائرة شفشاون، اتخذت التحركات منحى جماعياً، بعدما أعلنت خمسة أحزاب، من خلال وكلاء لوائحها الانتخابية، توجهها نحو سلوك المساطر القانونية المتاحة للاعتراض على النتائج، بالتزامن مع المطالبة بالتحقق من وقائع وملاحظات قال المعنيون إنها رافقت مراحل من الحملة الانتخابية والاقتراع وفرز الأصوات.
وتضم الأحزاب المعنية جبهة القوى الديمقراطية والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية وتحالف اليسار وحزب الديمقراطيين الجدد، حيث اتجه وكلاء لوائحها إلى توثيق الملاحظات التي يعتبرونها ذات صلة بالعملية الانتخابية، مع التأكيد على أن الحسم في مدى تأثيرها على النتائج يبقى من اختصاص القضاء بعد دراسة الوثائق والمعطيات المقدمة.
ويبرز ملف المحاضر ضمن النقاط التي عادت إلى الواجهة في عدد من الدوائر، بالنظر إلى أهمية هذه الوثائق في توثيق نتائج عمليات التصويت والفرز، وهو ما جعل مسألة تسليم نسخ المحاضر لممثلي اللوائح حاضرة في عدد من المواقف التي أعلنتها الأحزاب والمرشحون بعد ظهور النتائج.
وفي هذا السياق، يتجه حزب الاستقلال إلى سلوك مسطرة الطعن بشأن نتائج ثلاث دوائر انتخابية، ويتعلق الأمر باليوسفية والفحص-أنجرة والرباط المحيط، مستنداً، وفق المعطيات التي أعلنها الحزب، إلى ملاحظات مرتبطة بعمليات الفرز، إضافة إلى عدم توصل ممثليه، بحسب روايته، بجميع محاضر مكاتب التصويت المعنية.
ويضع هذا التحرك نتائج الدوائر الثلاث أمام مسار قانوني جديد، إذ يتعين على الحزب، في حال تقديم الطعون، إرفاق اعتراضاته بالمعطيات والوثائق التي يستند إليها، بينما يبقى تقدير مدى استيفاء الطعون للشروط القانونية ومدى تأثير الوقائع موضوع الاعتراض على النتائج من اختصاص الجهة القضائية المختصة.
بدوره، أعلن حزب العدالة والتنمية عزمه اللجوء إلى القضاء في ملفات مرتبطة بما قال إنه امتناع بعض رؤساء مكاتب التصويت عن تسليم نسخ من المحاضر لممثلي لوائح الترشيح، مؤكداً أنه توصل بشكايات في هذا الشأن، وأنه يعتزم اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه الحالات التي يرى أنها تستوجب المتابعة.
ولم يعلن الحزب، ضمن المعطيات المتوفرة، عن لائحة نهائية وشاملة للدوائر التي سيشملها الطعن في نتائجها، ما يجعل الملف مفتوحاً أمام استكمال دراسة التقارير والشكايات والوثائق التي توصلت بها قيادة الحزب قبل تحديد الخطوات القانونية النهائية.
وفي فاس الشمالية، ظهر بدوره اتجاه نحو اللجوء إلى القضاء، بعدما أعلن إدريس أبلهاض، وكيل لائحة الاتحاد الدستوري، عزمه الطعن في انتخاب حسن سليغوة عن حزب الاستقلال، مستنداً إلى ملاحظات قال إنها ترتبط بسير الحملة الانتخابية وبكيفية احتساب الأصوات.
ولا تختلف هذه الحالة عن باقي الملفات من حيث الطبيعة القانونية، إذ إن إعلان المرشح عزمه تقديم طعن لا يعني في حد ذاته ثبوت المخالفات التي يتحدث عنها، وإنما يفتح المجال أمام الجهات المختصة لدراسة الوقائع والوثائق المقدمة، واتخاذ القرار وفق ما تنص عليه القواعد القانونية المنظمة للمنازعات الانتخابية.
وفي الناظور، برز ملف آخر بعدما أعلن محمد بوشيح، مرشح حزب الخضر، عزمه تقديم طعون بشأن اللوائح التي حصلت على المقاعد البرلمانية المخصصة للإقليم، مشيراً إلى توفره على معطيات ووثائق قال إنه سيعتمد عليها في إعداد ملفاته القانونية.
وبذلك، تتسع دائرة الطعون المرتقبة لتشمل عدداً من المناطق والدوائر، في وقت تعمل فيه الأحزاب والمرشحون المعنيون على ترتيب ملفاتهم وتجميع الوثائق التي يرون أنها يمكن أن تدعم اعتراضاتهم، بينما ينتظر أن تحدد المساطر القضائية اللاحقة طبيعة كل ملف ومدى استجابته للشروط القانونية.
وتمنح هذه المرحلة للطعون الانتخابية دوراً مهماً في استكمال المسار الذي بدأ يوم الاقتراع، خصوصاً أن المنافسة لا تنتهي بالنسبة إلى بعض المتنافسين بمجرد إعلان النتائج، بل يمكن أن تنتقل إلى القضاء عندما يرى أحد الأطراف أن هناك وقائع أو إجراءات قد تكون أثرت في النتيجة التي أفرزتها صناديق الاقتراع.
ومع ذلك، تبقى جميع الملاحظات والاختلالات التي تتحدث عنها الأحزاب والمرشحون في خانة الادعاءات التي تحتاج إلى إثبات ودراسة، ولا يمكن اعتبارها مخالفة ثابتة أو سبباً لتغيير نتيجة أي مقعد قبل صدور قرار عن الجهة المختصة.
وبينما تتجه بعض الأحزاب إلى إعداد طعونها، تترقب الساحة السياسية ما ستؤول إليه هذه الملفات، خصوصاً في الدوائر التي شهدت تنافساً متقارباً أو التي يقول مرشحون إنهم سجلوا فيها ملاحظات خلال الحملة أو الاقتراع أو عمليات الفرز.
وهكذا، تدخل الانتخابات التشريعية لسنة 2026 مرحلة جديدة، عنوانها الطعون والمنازعات الانتخابية، بعدما تحولت المنافسة من سباق انتخابي داخل الدوائر إلى مسار قانوني ستكون فيه الوثائق والمحاضر والحجج المقدمة أمام القضاء العامل الحاسم في تحديد مآلات الملفات، بعيداً عن المواقف السياسية والتقديرات التي أعقبت إعلان النتائج.