هل ظهر انشقاق بين الميزان والحمامة بسبب التحالف الحكومي؟

الكاتب : انس شريد

03 October 2026 - 06:30
الخط :

أعادت التطورات المرتبطة بمشاورات تشكيل الحكومة المغربية المقبلة فتح النقاش حول طبيعة العلاقات السياسية بين مكونات الأغلبية السابقة، في ظل بروز مؤشرات على تباين في المواقف بشأن مشاركة حزب التجمع الوطني للأحرار في التجربة الحكومية الجديدة التي يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى قدرة التحالف المرتقب على تجاوز خلافات المرحلة الانتخابية وتدبير التوازنات بين مكوناته.

وتتجه الأنظار، في هذا السياق، إلى طبيعة التفاهمات التي ستجمع حزب الاستقلال بحزب التجمع الوطني للأحرار، بعدما أظهرت التطورات الأخيرة وجود اختلاف في تقدير بعض المعطيات المرتبطة بمسار المفاوضات، خصوصاً عقب التصريحات التي أدلى بها الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، بشأن موقف الأصالة والمعاصرة من مشاركة الحمامة في الحكومة المقبلة، قبل أن يعود لتوضيح خلفية المعلومات التي استند إليها.

ولا يتعلق النقاش بمجرد اختلاف عابر في نقل المعطيات السياسية، بقدر ما يعكس حساسية المرحلة التي أعقبت الانتخابات التشريعية لسنة 2026، وما أفرزته من إعادة ترتيب لمواقع الأحزاب داخل المشهد السياسي، بعدما انتقل حزب الأصالة والمعاصرة إلى صدارة النتائج، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، في وقت باتت فيه المفاوضات بشأن تشكيل الأغلبية محكومة باعتبارات سياسية وانتخابية وتدبيرية متداخلة.

وأفرزت النتائج النهائية للانتخابات تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، مقابل 66 مقعدا لحزب التجمع الوطني للأحرار، و65 مقعداً لحزب الاستقلال، فيما حل حزب العدالة والتنمية رابعاً بـ54 مقعدا، وهي أرقام وضعت القيادة الجديدة المرتقبة للحكومة أمام مسؤولية بناء أغلبية منسجمة، قادرة على ضمان الاستقرار السياسي وتوفير شروط تنزيل الالتزامات الحكومية خلال المرحلة المقبلة.

وفي خضم هذه المعطيات، برزت داخل حزب الاستقلال مواقف متحفظة إزاء عودة التجمع الوطني للأحرار إلى المشاركة في الحكومة، على خلفية تقييم حصيلة عدد من القطاعات التي تولى الحزب مسؤولية تدبيرها خلال الولاية السابقة، وما ارتبط بها من انتقادات سياسية واجتماعية، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط على القدرة الشرائية للأسر وتزايد المطالب بتحسين الخدمات العمومية.

وكان نزار بركة وعدد من قيادات حزب الاستقلال قد أثاروا، خلال الحملة الانتخابية، ملاحظات بشأن تدبير قطاعات حكومية ارتبطت بالتجمع الوطني للأحرار، وفي مقدمتها الفلاحة والصيد البحري، إلى جانب التعليم والصحة، في سياق نقاش سياسي أوسع حول حصيلة الأغلبية السابقة ومدى استجابتها لانتظارات المواطنين.

وتكتسي هذه المواقف أهمية إضافية بالنظر إلى أن حزب الاستقلال لا يدخل مشاورات المرحلة المقبلة من موقع انتخابي هامشي، بل باعتباره ثالث قوة سياسية في مجلس النواب، بفارق مقعد واحد فقط عن التجمع الوطني للأحرار، الأمر الذي يمنحه وزناً تفاوضياً في تحديد ملامح الأغلبية المقبلة، ويجعل موقف قيادته من توزيع المسؤوليات والحقائب الوزارية أحد العناصر المؤثرة في مسار المفاوضات.

وفي المقابل، لم يصدر عن حزب الأصالة والمعاصرة، وفق المعطيات المعلنة بشأن مخرجات اجتماعه التنظيمي، قرار رسمي يقضي بإقصاء التجمع الوطني للأحرار من الحكومة المقبلة، وإنما اتجهت مؤسساته إلى تفويض فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة والمنسقة العامة للقيادة الجماعية للحزب، مواصلة المشاورات السياسية مع مختلف الأحزاب المعنية بتشكيل الأغلبية.

وجاء هذا التفويض عقب نقاش داخلي اتسم بتباين وجهات النظر بشأن طبيعة التحالفات الممكنة، قبل أن يحسم المجلس الوطني للحزب بالإجماع في إسناد مهمة قيادة لجنة المشاورات إلى المنصوري، بمشاركة فوزي لقجع وأحمد أخشيشن وعبد اللطيف وهبي، بهدف استكمال الاتصالات السياسية والبحث عن صيغة حكومية تستجيب لمتطلبات المرحلة.

غير أن الجدل اتخذ منحى أكثر وضوحاً بعدما أعلن نزار بركة، خلال الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لحزب الاستقلال المنعقدة بسلا، أن المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة اتجه إلى رفض مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة الجديدة، وهو التصريح الذي أثار تفاعلاً ملحوظاً داخل الاجتماع، قبل أن يعود الأمين العام للاستقلال إلى تقديم توضيح بشأن مصدر المعلومة ومدى دقتها.

وفي ختام كلمته أمام أعضاء المجلس الوطني، أوضح بركة أن المعطى الذي استند إليه وصله عن طريق أحد أعضاء الحزب، مصطفى حنين، دون أن يكون قد تأكد بصورة نهائية من الموقف الرسمي للأصالة والمعاصرة، مقدماً اعتذاره عن تداول معلومة لم تكن محسومة بشأن قرار مشاركة الأحرار من عدمها.

وأعاد هذا التوضيح النقاش إلى مساره المؤسساتي، بعدما اتضح أن قيادة الأصالة والمعاصرة لم تعلن استبعاد التجمع الوطني للأحرار، بل أبقت الباب مفتوحاً أمام مواصلة المفاوضات، وهو ما جعل التصريح الأول موضع مراجعة، وأبرز في الوقت نفسه أهمية التمييز بين المعطيات المتداولة داخل الكواليس الحزبية والقرارات الصادرة عن الهيئات التنظيمية المخول لها الحسم.

ومن جهته، حسم المجلس الوطني للتجمع الوطني للأحرار، خلال دورته الاستثنائية المنعقدة بالرباط، في توجه الحزب نحو المشاركة في الحكومة التي ستقودها فاطمة الزهراء المنصوري، مفوضاً رئيسه محمد شوكي تدبير هذا الخيار وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية، في قرار يعكس رغبة الحزب في مواصلة حضوره داخل المؤسسات التنفيذية، رغم التراجع الذي سجله على مستوى عدد المقاعد مقارنة بالاستحقاق السابق.

وأكدت مخرجات الاجتماع أن الحزب لا يعتبر نتائجه الانتخابية الأخيرة نهاية لمساره السياسي أو تراجعاً عن موقعه داخل المشهد الوطني، بل ينظر إليها باعتبارها محطة تستدعي استخلاص الدروس من تجربة خمس سنوات من التدبير الحكومي، بما رافقها من مكاسب وتحديات وتكلفة سياسية.

وفي الاتجاه نفسه، صادق المجلس الوطني لحزب الاستقلال بالإجماع على تفويض أمينه العام نزار بركة تدبير المفاوضات المتعلقة بمشاركة الحزب في الحكومة المقبلة، وهو قرار يضع ملف التحالفات وتحديد شروط الانخراط الحكومي بيد القيادة الحزبية، ويمنحها هامشاً للتفاوض بشأن طبيعة المسؤوليات التي يمكن أن يتولاها الاستقلال داخل الأغلبية المرتقبة.

وتكشف هذه التفويضات المتزامنة عن توجه الأحزاب الثلاثة نحو تركيز تدبير المفاوضات في يد قياداتها، بما يسمح بتجاوز التباينات الداخلية وتوحيد المواقف خلال الاتصالات السياسية، غير أن ذلك لا يلغي وجود ملفات خلافية قد تفرض نفسها على طاولة الحوار، وفي مقدمتها تقييم الحصيلة الحكومية السابقة، وطبيعة توزيع الحقائب، وحدود المسؤولية السياسية عن الاختلالات التي كانت موضوع انتقادات خلال الحملة الانتخابية.

آخر الأخبار