قبل تشكيلها.. الحكومة المقبلة تواجه سيلا من المطالب النقابية الاجتماعية
تستعد الحكومة المغربية المقبلة لمباشرة ولايتها في ظل مجموعة من الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تفرض نفسها بقوة على أجندتها، في مقدمتها القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، وإصلاح المنظومة الصحية، وتسوية الملفات العالقة لمختلف فئات الشغيلة، إلى جانب معالجة قضايا التقاعد وتعزيز الحوار الاجتماعي.
وتأتي هذه المطالب في وقت تتواصل فيه مشاورات تشكيل الحكومة، وسط ترقب لطبيعة الأولويات التي ستضعها السلطة التنفيذية المقبلة في صدارة برنامجها، ومدى قدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية المتزايدة، خصوصاً في ظل استمرار النقاش حول تكلفة المعيشة وجودة الخدمات العمومية وظروف اشتغال الموظفين والأجراء.
وتدفع المركزيات النقابية باتجاه جعل تحسين القدرة الشرائية ومعالجة تداعيات ارتفاع الأسعار ضمن أولويات المرحلة المقبلة، إلى جانب فتح الملفات الاجتماعية العالقة في عدد من القطاعات، وتحسين الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
كما تضع النقابات مسألة إعادة تفعيل الحوار الاجتماعي ضمن الملفات الأساسية المطروحة على الحكومة، باعتباره آلية للتفاوض حول الأجور وظروف العمل والحقوق الاجتماعية، مع التأكيد على ضرورة احترام التعددية النقابية وضمان ممارسة الحقوق المرتبطة بالتنظيم والتفاوض والإضراب.
وفي قطاع الصحة، تواجه الحكومة المقبلة مطالب واسعة مرتبطة بتوفير الموارد البشرية وتحسين ظروف اشتغال المهنيين وضمان توفر الأدوية والمستلزمات الطبية، إضافة إلى مواصلة إصلاح المنظومة الصحية وتدبير المجموعات الصحية الترابية.
وفي هذا السياق، وجهت النقابة المغربية للمهن الصحية والمنتوجات الصحية رسالة مفتوحة إلى رئيسة الحكومة، عرضت فيها مجموعة من المقترحات المرتبطة بتنزيل الإصلاح، داعية إلى فتح حوار منتظم مع ممثلي المهنيين واعتماد آلية لتتبع وتقييم أثر الإصلاح على العاملين والمرتفقين.
وطالبت النقابة بوضع سياسة متعددة السنوات للتوظيف تستند إلى حاجيات مختلف الجهات، مع معالجة الخصاص في المناطق التي تعرف نقصاً في الأطر الصحية، وتحديد مسار واضح لخريجي المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة، إلى جانب اعتماد جدولة معلنة لمباريات التوظيف وتسريع إدماج الخريجين في المجموعات الصحية الترابية.
كما دعت إلى تحسين الوضعية المادية للمهنيين والحد من هجرة الكفاءات، وتفعيل المقتضيات المرتبطة بالوظيفة الصحية، فضلاً عن إقرار تعويضات عن الحراسة والإلزامية والمهام والمسؤوليات والعمل في المناطق النائية والمصالح التي تعرف ضغطاً مرتفعاً.
وتشمل المطالب أيضاً تسريع تنفيذ الالتزامات والاتفاقات السابقة، وتطوير التكوين الأكاديمي أمام العاملين في القطاع، مع تسهيل الولوج إلى مسالك الإجازة والماستر والدكتوراه واحتساب الشهادات ضمن المسار المهني، بما يسمح بتطوير الكفاءات داخل المنظومة الصحية.
وبخصوص المجموعات الصحية الترابية، تطالب النقابة بتوفير الموارد البشرية والمادية واللوجستيكية الضرورية، وتحديد الاختصاصات والمسؤوليات بشكل واضح، مع إشراك المهنيين وممثليهم في مختلف مراحل التنزيل وضمان الحقوق والمكتسبات واعتماد معايير شفافة في الترقي والحركة الانتقالية.
وأثارت النقابة كذلك وضعية مجموعة طنجة-تطوان-الحسيمة، متحدثة عن صعوبات وتعثرات قالت إنها انعكست على سير الخدمات وظروف عمل المهنيين، ودعت إلى تقييم هذه التجربة واستخلاص نتائجها قبل استكمال تنزيل باقي المجموعات الصحية.
ولا تتوقف المطالب عند إصلاح القطاع العمومي، إذ تشمل أيضاً دعم الصناعة الصحية وتشجيع الاستثمار في الصناعات البيوطبية ونقل التكنولوجيا، مع توفير آليات تمويل مناسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة العاملة في المجال الصحي.
كما تطرح النقابة ضرورة رقمنة مساطر استيراد الأدوية والمنتجات الصحية، وإحداث مخزون استراتيجي وطني وجهوي، ووضع نظام للإنذار المبكر لرصد حالات الخصاص، إلى جانب تحديد آجال واضحة لمعالجة ملفات تسجيل المنتجات الصحية.
وفي ما يتعلق بالصفقات العمومية، تطالب النقابة باعتماد دفاتر تحملات محايدة، ونشر طلبات العروض ونتائجها، وتعميم الإيداع الإلكتروني، واعتماد معايير تقييم معلنة تراعي الجودة إلى جانب السعر، فضلاً عن تعليل قرارات الإقصاء وضمان حق الطعن وتبسيط الإجراءات لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة.
وتشمل المطالب أيضاً مراجعة العلاقة بين القطاعين العام والخاص في إطار التأمين الإجباري عن المرض، ومراجعة التعريفة الوطنية المرجعية، إلى جانب اعتماد آلية تشاركية لتتبع الإصلاح وتقييم انعكاساته على المواطن والمهني.
ومن جهته، يطالب الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب الحكومة المقبلة بإعادة ترتيب أولويات السياسة الاجتماعية، وجعل الحوار الاجتماعي مدخلاً أساسياً لمعالجة القضايا المرتبطة بعالم الشغل، مع التأكيد على ضرورة احترام التعددية النقابية وضمان تمثيلية مختلف المركزيات.
ويضع الاتحاد القدرة الشرائية في مقدمة الملفات التي تستدعي تدخلاً حكومياً، إلى جانب الحد من تداعيات ارتفاع الأسعار وتحسين الخدمات الاجتماعية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، فضلاً عن معالجة الملفات العالقة في مختلف القطاعات.
كما تمتد المطالب إلى حماية الحريات النقابية وضمان الحق في التنظيم والتفاوض والإضراب، مع الدعوة إلى مراجعة السياسات العمومية في قطاعات التعليم والصحة والتشغيل بما يساهم في تحسين ظروف العاملين والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وفي المقابل، يطرح المتقاعدون بدورهم مجموعة من المطالب المرتبطة بالمعاشات والتغطية الصحية والاجتماعية، حيث تطالب الشبكة المغربية لهيآت المتقاعدين بالمغرب بتحديد حد أدنى للمعاش في 5000 درهم، إلى جانب تحسين الخدمات الموجهة إلى هذه الفئة والحفاظ على مكتسباتها.
كما يطالب اتحاد متقاعدي التعليم بالمغرب، التابع لنقابة التوجه الديمقراطي، برفع المعاشات واعتماد مراجعة منتظمة لها بما يواكب تكاليف المعيشة، إلى جانب فتح تحقيق بشأن ما يعتبره اختلالات في تدبير صناديق التقاعد والتعاضديات، مع تحديد المسؤوليات واسترجاع الحقوق التي يقول إنها تضررت.
وتضع هذه الملفات المتعددة الحكومة المقبلة أمام أجندة اجتماعية واسعة، في وقت تتواصل فيه مشاورات تشكيلها وتتزايد المطالب المرتبطة بالقدرة الشرائية والخدمات العمومية وظروف العمل والتقاعد. وبينما تتجه الأنظار إلى شكل الأغلبية الحكومية المقبلة، يظل اختبارها الأبرز مرتبطاً بمدى قدرتها على ترتيب هذه الأولويات وتحويل الالتزامات الاجتماعية إلى إجراءات ملموسة تستجيب لانتظارات المواطنين.