الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية يرسم ملامح المرحلة المقبلة: تجديد الالتزام الوطني وتسريع التحول التنموي دعوة إلى الانتقال من إعلان الأولويات إلى تحقيق النتائج

الكاتب : الجريدة24

09 October 2026 - 07:00
الخط :

لم يكن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الجديدة مجرد موعد دستورى لتحديد توجهات المرحلة المقبلة، بل شكل وثيقة سياسية وتنموية متكاملة أعادت ترتيب الأولويات الوطنية، وحددت طبيعة الرهانات المطروحة أمام المؤسسة التشريعية والحكومة ومختلف الفاعلين العموميين والاقتصاديين.

وحمل الخطاب دعوة واضحة إلى تجديد الالتزام الوطني، وتحصين المكتسبات وتسريع وتيرة الإصلاح، والانتقال من منطق التدبير التقليدي إلى منطق النتائج الملموسة. فالمعيار الحقيقي لنجاح السياسات العمومية لا يرتبط بعدد البرامج أو القوانين المعتمدة، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وتحسين الخدمات وتوسيع فرص التنمية والارتقاء الاجتماعي.

الانتداب البرلماني.. مسؤولية سياسية واختبار للثقة

في مقدمة الرسائل التي تضمنها الخطاب الملكي، يبرز التأكيد على أن الانتداب البرلماني يتجاوز كونه تفويضا انتخابيا أو صفة مؤسساتية. فهو التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط ممثلي الأمة بالمواطنات والمواطنين، ويضعهم أمام مسؤولية الوفاء بانتظاراتهم والانخراط الفعلي في معالجة قضاياهم اليومية.

وتكتسي هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل انطلاق ولاية تشريعية وحكومية جديدة، وفي ظرفية دولية ووطنية تتيح للمغرب فرصا مهمة لمواصلة مسار التنمية وتعزيز موقعه ضمن الاقتصادات الصاعدة. غير أن هذه الفرص تظل مرتبطة بحسن استثمارها، وبالقدرة على تحديد الأولويات وتسريع الإنجاز وتجاوز الحسابات الضيقة.

فالعمل المؤسساتى لا يقاس فقط بكمية النصوص القانونية أو البرامج الحكومية بل بقدرته على إنتاج حلول فعالة والاستجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية وتقوية الصلة بين المواطن ومؤسسات الدولة. ومن هذا المنظور، تبدو الولاية الجديدة مطالبة بأن تشكل منعطفا حقيقيا في مسار التنمية، لا مجرد امتداد للآليات والمقاربات السابقة.

الهوية الوطنية.. اعتزاز بالانتماء ومسؤولية تجاه المستقبل

احتلت الهوية الوطنية والاعتزاز بالانتماء إلى المغرب مكانة مركزية في الخطاب الملكي. فالهوية ليست مجرد عنصر رمزي أو شعار للاحتفاء، بل رصيد جامع يستمد قوته من ثوابت المملكة، وفي مقدمتها الهوية الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، ومن غنى روافدها الحضارية وتعدد مكوناتها الثقافية.

يستمد قوته من ثوابت المملكة، وفي مقدمتها الهوية الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، ومن غنى روافدها الحضارية وتعدد مكوناتها الثقافية.

ويرتبط هذا الاعتزاز أيضا بما راكمته المملكة من مكاسب سياسية ودبلوماسية وما حققته من تحولات تنموية واقتصادية واجتماعية عززت حضورها إقليميا ودوليا. غير أن استحضار هذه المنجزات لا يعني الاكتفاء بالاحتفاء بها، بل يراد منه ترسيخ الثقة في القدرة الوطنية على مواصلة الإصلاح ومواجهة التحديات.

وتتحول الوطنية بهذا المعنى إلى ممارسة عملية قوامها العمل والإنتاج والمبادرة وصون المكتسبات. فالافتخار بما تحقق ينبغي أن يكون حافزا لمزيد من الجهد، والانتماء إلى الوطن مسؤولية مشتركة تقتضي توسيع آثار التنمية لتشمل مختلف الفئات والمجالات الترابية.

الاقتصاد الوطني.. تعزيز الصمود والاستقلالية الاستراتيجية

على المستوى الاقتصادي، وضع الخطاب الملكي المرحلة المقبلة أمام ضرورة تطوير أدوات الصمود الوطني وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، في سياق دولي يتسم بتقلبات متزايدة واضطرابات متكررة في الأسواق وسلاسل التوريد.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التعجيل بتطوير القدرات الوطنية في مجال الاحتياطات الاستراتيجية وضمان توريد المواد الأساسية، بما يرفع قدرة الاقتصاد المغربي على مواجهة الأزمات الخارجية والتقلبات المفاجئة. ولا يتعلق الأمر بمجرد تدبير ظرفي للمخاطر، بل ببناء منظومة اقتصادية أكثر قدرة على التوقع والوقاية والاستجابة.

كما دعا الخطاب إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى يأخذ بعين الاعتبار التحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد العالمي، ويركز على القطاعات التي ستحدد تنافسية الدول وموقعها في المستقبل. ويأتي الأمن المائي والطاقي والغذائي في مقدمة هذه الأولويات، إلى جانب الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وتتسم هذه المجالات بترابط كبير، إذ لم يعد الأمن الاقتصادي منفصلا عن القدرة على إنتاج التكنولوجيا أو تأمين الموارد أو تطوير سلاسل صناعية محلية. لذلك تبرز الحاجة إلى تنسيق أكبر بين السياسات العمومية وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع قادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة، وتعزيز الإنتاج الوطني، ورفع قدرة المملكة على المنافسة.

القطاع الخاص.. من شريك في التنفيذ إلى فاعل استراتيجي

بالتوازي مع تطوير الاستراتيجيات الاقتصادية، يطرح الخطاب الملكي تصورا متجددا لدور القطاع الخاص الوطني. فلم يعد مطلوبا من المقاولة أن تكتفي بالمساهمة في تنفيذ البرامج العمومية، بل أن ترتقي إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي.

ويستدعي ذلك قطاعا خاصا أكثر جرأة في الاستثمار، وأوسع قدرة على الابتكار، وأكثر انخراطا في خلق فرص الشغل وتعزيز الصادرات والرفع من تنافسية المنتوج الوطني. كما يقتضي إرساء علاقة أكثر تكاملا بين الدولة والمقاولة، تقوم على وضوح الأدوار، وتحفيز المبادرة، وتوسيع قاعدة الاستثمار المنتج.

فنجاح الرهانات الكبرى لا يتوقف على إطلاق الاستراتيجيات، بل يرتبط بقدرة الفاعلين الاقتصاديين على تحويلها إلى مشاريع فعلية وفرص شغل وثروة. ومن ثم، فإن الاستثمار الخاص يمثل رافعة أساسية لتحقيق التنمية، شريطة أن يوجه نحو قطاعات منتجة وابتكارية وقادرة على خدمة الاقتصاد الوطني.

الشباب في صلب السياسات العمومية

من أبرز الأبعاد الاجتماعية في الخطاب الملكي الدعوة إلى جعل قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة. ويعكس هذا التوجه إدراكا للدور المحوري الذي تضطلع به هذه الفئة في تحديد مستقبل المشروع التنموي الوطني.

فالشباب ليسوا مجرد فئة مستهدفة ببرامج اجتماعية متفرقة، بل يمثلون طاقة أساسية للإنتاج والابتكار والتجديد ولذلك تبرز الحاجة إلى تصور متكامل يستحضر مختلف مراحل مسارهم بدءا من التعليم والتأهيل، مرورا بالتكوين والإدماج الاقتصادي، وصولا إلى ضمان تكافؤ الفرص وتوسيع إمكانات الارتقاء الاجتماعي.

ويقتضي هذا التوجه تجاوز المقاربات المجزأة التي تفصل بين المدرسة وسوق الشغل، أو بين التكوين وحاجيات الاقتصاد. فالتحدي لا يتمثل فقط في رفع عدد البرامج الموجهة إلى الشباب، بل في تحسين جودتها وربطها بالفرص الفعلية وتمكين الشباب من اكتساب المهارات التي تتيح لهم الاندماج في سوق العمل أو إطلاق مشاريعهم الخاصة.

ويظل استعادة الثقة البعد الأعمق في هذا الورش فالشباب بحاجة إلى الثقة في قدراتهم، وفي مؤسسات وطنهم، وفي إمكانية تحويل الفرص المتاحة إلى مسارات واقعية لبناء مستقبل أفضل. ولا يمكن تحقيق ذلك بالشعارات، بل عبر تحسين التعليم والتكوين، وتيسير الولوج إلى الشغل، وتشجيع المبادرة والمقاولة، وتحقيق عدالة أكبر في توزيع الفرص بين الجهات والفئات.

آخر الأخبار