بعد خطاب الملك.. نواب المعارضة يسلطون الضوء على أولويات المرحلة المقبلة

الكاتب : انس شريد

09 October 2026 - 07:30
الخط :

وجه الملك محمد السادس، اليوم الجمعة، خطابا إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، تطرق فيه إلى عدد من القضايا المرتبطة بأولويات المرحلة المقبلة، ومسؤولية المؤسسات المنتخبة في مواكبة التحولات التي تعرفها البلاد والاستجابة لانتظارات المواطنين.

وحمل الخطاب الملكي رسائل موجهة إلى أعضاء مجلس النواب الذين حصلوا على مقاعدهم خلال الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي، من خلال التأكيد على أن المسؤولية البرلمانية لا تقتصر على الحصول على ثقة الناخبين، بل تمتد إلى الوفاء بالالتزامات السياسية والأخلاقية المترتبة عنها، والعمل على ترجمة انتظارات المواطنين إلى مبادرات وتشريعات ومواقف ملموسة داخل المؤسسة التشريعية.

وفي تفاعل مع مضامين الخطاب، توقف عدد من النواب المنتمين إلى المعارضة عند الملفات التي تستدعي، في تقديرهم، انخراطاً فعلياً للمؤسسة البرلمانية في مواكبة التوجهات المطروحة، سواء تعلق الأمر بالتنمية وتقليص الفوارق المجالية، أو بتعزيز السيادة الاقتصادية، أو بتجديد النخب السياسية وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة للمساهمة في تدبير الشأن العام.

واعتبر مصطفى الخلفي، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، أن الخطاب الملكي يشكل خارطة طريق لعمل السلطتين التنفيذية والتشريعية، مشدداً على أن البرلمان مطالب بالمساهمة الفعلية في تنزيل القضايا التي جرى التأكيد عليها، بما يجعل النقاش داخل المؤسسة التشريعية مرتبطاً بالأولويات الوطنية وبالتحديات التي تواجه البلاد.

وأوضح الخلفي أن الاضطلاع بهذه المسؤولية يستدعي استحضار المرتكزات التي شكلت، بحسب قراءته، عناصر أساسية في استمرارية الدولة المغربية وتماسكها، وفي مقدمتها الهوية الإسلامية للمملكة، وإمارة المؤمنين، والملكية، إلى جانب الاعتزاز بالانتماء الوطني. واعتبر أن هذه المرتكزات ينبغي أن تؤطر العمل المؤسساتي، بالتوازي مع استيعاب التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرض تجديد أساليب التدبير وصياغة السياسات العمومية.

وفي ما يتعلق بالتحديات الداخلية، أشار المتحدث إلى أن ما تحقق من إنجازات خلال السنوات الماضية لا يلغي استمرار عدد من الإكراهات المرتبطة بالتنمية المندمجة، خصوصاً في قطاعات التعليم والصحة، فضلاً عن الفوارق المجالية التي تجعل تحسين توزيع الخدمات والإمكانات بين مختلف المناطق من الملفات المطروحة على المؤسسات العمومية والمنتخبة.

كما شدد الخلفي على أهمية تعزيز اللامركزية واللاتمركز، ونقل اختصاصات فعلية إلى الجهات، بما يسمح بتوسيع قدرتها على اتخاذ القرار والتفاعل مع حاجيات السكان. وربط هذا التوجه بضرورة تطوير جيل جديد من الاستراتيجيات العمومية القادرة على التعامل مع التحولات المتسارعة، بدل الاكتفاء بمواصلة المقاربات المعتمدة من دون تقييم كافٍ لنتائجها ومدى استجابتها للواقع.

وفي السياق ذاته، لفت النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية إلى أن الإجهاد المائي وندرة الموارد المائية يفرضان مواصلة الاستثمار في الحلول الهيكلية، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر، مع ضرورة إدماج هذه المشاريع ضمن رؤية استراتيجية تضمن استدامة الموارد وتلبية الحاجيات المتزايدة.

كما أثار مسألة التبعية الطاقية للخارج، معتبراً أن تطوير الطاقات المتجددة ينبغي أن يواكبه تقليص تدريجي للاعتماد على المصادر الخارجية، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي وتقوية القدرات الصناعية الوطنية.

وربط الخلفي هذه الملفات برهان تحول المغرب إلى قوة اقتصادية صاعدة، موضحاً أن بلوغ هذا الهدف يقتضي بناء قاعدة صناعية قادرة على إنتاج قيمة مضافة أكبر، وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية في القطاعات الحيوية، بما يرفع قدرة البلاد على مواجهة التقلبات الخارجية ويمنح السياسات التنموية هامشاً أوسع للحركة.

ولم يقتصر تفاعله مع الخطاب الملكي على القضايا الاقتصادية والاجتماعية، بل امتد إلى ملف الهجرة والعلاقات مع إسبانيا، اللذين اعتبرهما من القضايا التي تستدعي معالجة استراتيجية تتجاوز ردود الفعل الظرفية.

وفي هذا الإطار، توقف عند الحاجة إلى مراجعة النموذج المعتمد في تدبير الهجرة، والانطلاق نحو تصور جديد يقوم على الشراكة والتشخيص الواقعي للتحولات، بدل الانجرار إلى التوتر أو السجال السياسي.

وتبرز هذه القراءة، وفق ما عرضه الخلفي، أهمية التعامل مع ملف الهجرة باعتباره قضية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية والأمنية والدبلوماسية والتنموية، بما يستدعي تنسيقاً مؤسساتياً ورؤية بعيدة المدى تأخذ بعين الاعتبار المصالح المغربية ومتطلبات التعاون مع الشركاء، وفي مقدمتهم إسبانيا.

ومن زاوية أخرى، سلط أسامة باريك، النائب البرلماني عن حزب الوحدة والديمقراطية، الضوء على التحول الذي تعرفه تركيبة المؤسسة التشريعية مع وصول عدد من الوجوه الجديدة، معتبراً أن تجديد النخب البرلمانية يتيح ضخ دماء جديدة في العمل السياسي ويفتح المجال أمام مقاربات مختلفة في التعاطي مع القضايا الوطنية.

وأوضح باريك أن وجود برلمانيين جدد يعكس، في نظره، توجهاً نحو إتاحة الفرصة أمام فاعلين سياسيين لم يسبق لهم خوض التجربة البرلمانية، وهو ما يمكن أن يسهم في تنويع الخبرات وطرق التفكير داخل المؤسسة التشريعية. وأضاف أن حضور الشباب يكتسي أهمية خاصة في سياق الحاجة إلى إعداد نخبة سياسية جديدة قادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها البلاد والاستجابة لمتطلبات المرحلة المقبلة.

وشدد المتحدث ذاته، على أن تجديد النخب لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة مع التجارب السابقة، بل يتطلب الجمع بين حيوية الوافدين الجدد والخبرة التي راكمها البرلمانيون الذين سبق لهم الاشتغال داخل المؤسسة التشريعية.

واعتبر أن تأطير الشباب ومواكبتهم ونقل التجارب إليهم من شأنه أن يساعدهم على تطوير أدائهم والاضطلاع بمسؤولياتهم على أسس أكثر نضجاً وفعالية.

وفي هذا السياق، ربط باريك نجاح التجربة البرلمانية الجديدة بمدى قدرة مختلف الأجيال على العمل المشترك، وتغليب المصلحة العامة على الاعتبارات المرتبطة بالأشخاص أو الانتماءات الضيقة، بما يسمح بتحويل التنوع داخل المؤسسة إلى عنصر داعم للدينامية السياسية والتنموية.

ومع انطلاق السنة التشريعية الجديدة، تتجه الأنظار إلى الكيفية التي سيتعامل بها النواب مع الملفات المطروحة، ومدى انعكاس النقاشات والتوجهات المعلنة على العمل التشريعي والرقابي خلال المرحلة المقبلة.

وبين رهانات التنمية وتقليص الفوارق المجالية، ومتطلبات تعزيز السيادة الاقتصادية، والحاجة إلى تجديد الممارسة السياسية، يبرز الوفاء بالتعهدات الانتخابية والقدرة على تقديم حصيلة ملموسة باعتبارهما من أبرز معايير تقييم أداء المؤسسة التشريعية أمام المواطنين.

آخر الأخبار