بعد حسم الأغلبية أوراقها.. هل تربك الخلافات حسابات المعارضة؟

الكاتب : انس شريد

12 October 2026 - 11:50
الخط :

تضع الخريطة السياسية الجديدة أحزاب المعارضة أمام اختبار حقيقي بشأن قدرتها على تنسيق مواقفها وتوحيد تحركاتها داخل مجلس النواب، في ظل تباين مرجعياتها الحزبية واختلاف تجاربها في تدبير الشأن الحكومي.

فبعد تشكل الأغلبية الحكومية الجديدة، التي تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، اتضحت ملامح الاصطفاف السياسي، مع وجود التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية والحركة الشعبية وتحالف اليسار خارج التحالف الحكومي.

ويطرح هذا التوزيع تساؤلات بشأن طبيعة العلاقات التي ستجمع مكونات المعارضة، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تقاربا في المواقف أم تنافسا داخليا قد يحد من قدرتها على ممارسة الرقابة على الحكومة.

وتكتسي هذه التحولات أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن العددي للأحزاب المعنية، إذ يتوفر التجمع الوطني للأحرار على 66 مقعدا، مقابل 54 مقعدا لحزب العدالة والتنمية، فيما يمتلك تحالف اليسار ثمانية مقاعد، إلى جانب مقاعد الحركة الشعبية.

ويمنح هذا التوزيع المعارضة المحتملة رصيدا برلمانيا مهما، غير أن الأرقام وحدها لا تكفي لضمان الفاعلية السياسية، في ظل اختلاف الأولويات والبرامج، فضلا عن التباينات المرتبطة بتقييم التجارب الحكومية السابقة.

ويبرز حزب العدالة والتنمية باعتباره أحد المكونات التي تسعى إلى استثمار موقعها الجديد لإعادة ترتيب حضورها داخل المؤسسة التشريعية، بعد مرحلة من التراجع الانتخابي والسياسي.

ويتيح له رصيده المكون من 54 نائبا المشاركة بفاعلية في مناقشة مشاريع القوانين ومساءلة أعضاء الحكومة والدفاع عن مواقفه بشأن القضايا الاقتصادية والاجتماعية، غير أن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطا بقدرته على الانتقال من استحضار حصيلته السابقة إلى تقديم مواقف واضحة وبدائل قابلة للنقاش.

وفي هذا السياق، برزت إشارات إلى إمكانية التنسيق بين حزب العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار داخل المعارضة، بعدما عبرت أمينة ماء العينين، النائبة البرلمانية وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، خلال استضافتها في برنامج تلفزيوني عن استعداد حزبها للتنسيق مع التجمع الوطني للأحرار في حال اختياره الموقع نفسه.

ويعكس هذا الموقف توجها نحو الفصل بين الخلافات السياسية السابقة ومتطلبات العمل البرلماني، من دون أن يعني بالضرورة قيام تحالف سياسي بين الطرفين أو اتفاقهما على مجمل القضايا المطروحة.

غير أن إمكانية التقارب بين بعض مكونات المعارضة تصطدم بمواقف رافضة لأي تعاون مع حزب العدالة والتنمية من جانب قوى يسارية، تستند في اعتراضها إلى تقييمها لتجربة الحزب خلال فترة قيادته للحكومة.

ويكشف هذا التباين أن تشكل المعارضة لا يرتبط فقط بتحديد الموقع المقابل للأغلبية، بل يتطلب أيضا تجاوز خلافات سياسية متراكمة بشأن القرارات الحكومية السابقة والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة.

وفي هذا الإطار، عبّر جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، عن موقف نقدي حاد تجاه تجربة العدالة والتنمية في التدبير الحكومي، رافضا اختزال تقييم الأحزاب في الشعارات المرتبطة بالنزاهة.

ومشددا على أن معيار الحكم على الأداء السياسي ينبغي أن يرتبط، أساسا، بمدى خدمة المصلحة العامة وحماية حقوق المواطنين.

وخلال مشاركته في بودكاست منشور على منصة يوتيوب، أكد العسري، أن اليسار يرفض التعاون مع البيجيدي، مستحضرا عددا من القرارات التي اتخذت خلال فترة تولي العدالة والتنمية قيادة الحكومة، من بينها تحرير أسعار المحروقات، وتمديد سن التقاعد، والتوظيف بموجب التعاقد، والاقتطاع من أجور المضربين، إلى جانب قرارات أخرى اعتبرها ذات أثر سلبي على المواطنين.

كما انتقد طريقة التعامل مع ملفات الفساد المالي، معتبرا أن الحديث عن النزاهة لا يعفي المسؤولين من المساءلة عن القرارات التي اتخذوها خلال تحملهم المسؤولية الحكومية.

ويكشف هذا الموقف عن وجود حدود سياسية وإيديولوجية قد تعرقل أي محاولة لتشكيل تنسيق واسع بين مختلف مكونات المعارضة، خصوصا في ظل استمرار الخلاف حول حصيلة الحكومات السابقة والمسؤولية السياسية عن القرارات المتخذة خلالها.

وتزداد أهمية هذه التباينات مع توجه الحركة الشعبية إلى المعارضة، وهو ما يوسع دائرة الأحزاب الموجودة خارج الأغلبية، ويفتح المجال أمام إعادة ترتيب العلاقات بينها وفق موازين القوى الجديدة.

وتبرز الأرقام حجم الرهان المطروح أمام هذه الأحزاب؛ فالتجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية وتحالف اليسار يتوفرون، وفق المعطيات المقدمة، على 128 مقعدا مجتمعة، قبل إضافة مقاعد الحركة الشعبية.

ويمنح هذا الرصيد المعارضة المحتملة حضورا عدديا لافتا، إلا أن تحويله إلى قوة رقابية مؤثرة يتطلب أكثر من مجرد التقاء الأحزاب في الموقع نفسه، بالنظر إلى اختلاف مرجعياتها ومواقفها من السياسات العمومية ومن تجارب التدبير الحكومي السابقة.

وبين حسابات التموقع ومتطلبات الرقابة البرلمانية، ستكشف الممارسة داخل مجلس النواب مدى قدرة هذه الأحزاب على تحويل اختلافاتها إلى تنسيق عملي، داخل قبة البرلمان.

آخر الأخبار